يستطيع المواطن المار في أحياء الأشرفية أن يجول ويسوح بحرية وراحة، لكن عليه أن يعرف أنّ شوارع المنطقة مراقبة من شباب إستشعروا الخطر، فقرّروا أن يكونوا العين الساهرة في مساعدة الدولة على منع التفجيرات.
في الأشرفية لا قمصان سود أو برتقالية او زيتية، على رغم الانتماءات المتعدّدة لشبابها وأهلها، بل هناك شباب في معظمهم طلاب مدارس وجامعات او خرّيجون دخلوا سوق العمل، لوَّعتهم الانفجارات المتتالية التي هزّت منطقتهم وكان آخرها اغتيال رئيس فرع المعلومات اللواء الشهيد وسام الحسن، وشاهدوا منذ فترة انفجارات الضاحية الجنوبية، فقرَّروا التخلي عن “البرستيج” ونزلوا الى الشارع لمراقبته والتنبه لدخول سيارات غريبة بعد منتصف الليل لتقف في أحد الأحياء، وقد ضبطوا في الشهر الماضي ثلاث سيارات، أخذوا أرقامها وأبلغوا فوراً القوى الامنية، التي سارعت الى توقيف أصحابها لكن لم تشر الدلائل الى انهم كانوا يخططون لايّ عمل مخلّ بالامن.
ترك شباب الأشرفية مناكفاتهم السياسية ومشاكلهم الداخلية جانباً، وفكّروا كيف يحمون منطقتهم من موجة تفجيرات قد تستهدفها لأنه لن يسلم أحد منها مهما كان انتماؤه السياسي. فالمتفجّرة لن تفرّق بين قواتي أو عوني، او كتائبي او مناصر للنائب ميشال فرعون، فالبناية والحيّ يقطنهما جميع هؤلاء واذا انهارت ستسقط على رؤوس الجميع. وبدلاً من أن يقف القواتي في أول الشارع والعوني في آخره لإثارة المشاكل و”التنمير” على بعضهم، إختاروا المناوبة في المراقبة والتنسيق الى اكبر قدر ممكن وعفوياً، لكن بلا سلاح او حواجز تعرقل تنقّل الناس وترهبهم وتعطي طابعاً عن انّ المنطقة فيها ميليشيات.
ما فرّقته السياسة وأيام السلم والتناحر، جمَعته مآسي الإنفجارات، وقد اتفقت أحزاب الأشرفية وأهلها على اختلاف انتماءاتهم السياسية على أنّ أمن المنطقة خطّ أحمر وممّا ساعد على هذا الامر تجاوب الشباب معهم، إذ إنّ أولاد “سرسق” كانوا أول من طرح اشكالية ماذا علينا ان نفعل، وما هي السبل الآيلة الى ابعاد الاضطرابات عن الأشرفية.
المراقبة تبدأ من أطراف الأشرفية، المتحف، السوديكو، العدلية، كورنيش النهر، شركة كهرباء لبنان والمناطق المحيطة بها، وفي الاحياء الداخلية التي طاولتها الانفجارات سابقاً. وفي هذا الإطار، يشدّد القيادي في “التيار الوطني الحرّ” زياد عبس على أنّ شباب الأشرفية لا يستنسخون تجربة الامن الذاتي بل يساعدون أجهزة الدولة. فبعد احداث 11 أيلول 2001 وضرب برجَي التجارة العالميَّين، تحوّل كل مواطن أميركي الى شرطي يراقب الشوارع ويبلّغ الأجهزة الأمنية إذا شكّ بسيارة مفخخة أو اشتبه بأحد الاشخاص، من هنا يطبّق شباب الأشرفية هذا الامر، وهم تحرّكوا عندما “دّق الخطر على الابواب”، وهذا حقّهم الطبيعي طالما انهم تحت سقف القانون ولا يظهرون سلاحاً او يقيمون حواجز مسلّحة”.
ومن جهته، يرفض منسق “القوات اللبنانية” في بيروت عماد واكيم تطبيق فكرة “الأمن الذاتي” في الأشرفية كي “لا نعطي مبرّرا لـ”حزب الله” في تعميمها على المناطق كافة، فمشروع “القوّات” هو الدولة، وقد اوعزنا الى مناصرينا ان لا يقوموا بخطوات تظهر ان الأشرفية خارجة عن الدولة، واذا شكّ أحد الشباب بوجود تحرّك مشبوه، يتصل فورا بأجهزة الدولة الأمنية لتتحرّك وتقوم بالواجب المطلوب منها”.
الأمن الذاتي
مع تفهّم اللبنانيين جميعاً، وتضامنهم مع أهالي الضاحية، فإنّهم لا يؤيدون فكرة حواجز التفتيش التي يقيمها “حزب الله” في الضاحية ومناطق نفوذه في بعلبك والجنوب، لكنّ الملفت تأقلم اللبنانيين مع هذه الظاهرة، اذ إنهم يمرّون على هذه الحواجز بلا اعتراض، ما يذكّر بحواجز الردّع السوري، ويخبرون أنهم خضعوا للتفتيش وانتظروا دورهم لساعات.
التقارب المسيحي
لا تخشى الضاحية وحدها من التفجيرات، فالمناطق المسيحية بدورها تتخوّف من أن يضربها الارهاب، وعلى رغم أنها ما زالت محيّدة حتّى الآن وتكمل صيفها بهدوء حذر، وعلى رغم التطمينات والخطوط الحمر الدوليّة التي تحميها، مع الاشارة الى انّ الأجهزة الأمنية وألوية الجيش الأساسية متمركزة فيها وعلى تخومها، الّا أنّ التحييد يحتاج الى شبكة أمان تضعها القوى السياسية المسيحية. وقد اعلن رئيس تكتل “التغيير والاصلاح” النائب ميشال عون عن مشاورات تمهيدية لتقريب الصفّ المسيحي، فيما أبدى رئيس حزب “القوّات اللبنانية” الدكتور سمير جعجع استعداده لأيّ حوار مسيحي جدّي يصب في مصلحة المسيحيين ويحيدهم عن المشاكل، لافتاً الى أنّ “الحوار يتمّ في بكركي عبر اللجان التي اجتمعت منذ أسبوعين، وهذا هو الإطار الصحيح، لكن لا اتصال مباشر مع “التيار”، واي تواصل تكون البطريركية المارونية مظلته، حيث يرتقب أن يطلق سيد الصرح مبادرة مسيحية بعناوين وطنية تعيد التأكيد على ثوابت الكنيسة المارونية ومبادئ الجمهورية اللبنانية.