الكنيسة… خط أحمر ممنوع تجاوزه
"لقد كثر الجدل حول انتماء الرجل الماسوني. والحقيقة انها المرة الاولى منذ خمس وثلاثين سنة التي تعود فيها هذه الجماعة الى الظهور. فرؤساء المحافل توجهوا الى بعبدا لتهنئة الجنرال، غداة تعيينه على رأس الحكومة العسكرية. كما ان الصحف، وبخاصة الانوار القريبة من عون، اخذت تنشر بيانات حول اجتماعات الشرق الاكبر. فثارت ثائرة البطريرك صفير نفسه واتّهم الماسونيين علناً بتدبير الحملة على بكركي". (كتاب "جنرال ورهان" الصادر عام 1992- ص. 201 للكاتبة كارول داغر).
في ظل الهجمة الشرسة التي يخوضها العماد عون وتياره ضد الكنيسة وبطريركها والتي تعود بداياتها الى أواخر الثمانينات، والتي توالت فصولها خلال عشرين عاماً، تشتد حيناً وتخبو حيناً آخر من دون التوصل في يوم من الايام الى تسوية مرحلية أو الى شبه استقرار في العلاقة، وذلك بالرغم من موقف البطريرك قبيل انتخابات العام 2005 واثناءها وبعدها، والذي استفاد منه العماد عون انتخابياً وصولاً الى تصنيفه بالزعيم. كل ذلك لم يؤد الى ارساء علاقات طبيعية بين الطرفين، ما يدفع الى التساؤل الجدّي عن الخلفية الحقيقية لهذا الصراع السياسي ظاهرياً، الديني والثقافي والفكري باطنياً.
هذا الصراع اللامحدود والذي وصل الى حد الاعتداء الشخصي على البطريرك صفير واقفال ابواب الكنائس وتوجيه الشتائم والاهانات المخزية انما يهدف الى تعطيل الدور الديني والتوجيهي للكنيسة تجاه رعيتها بالاضافة الى الدور الوطني والسياسي، وذلك لتسهيل تغلغل بعض المنظمات أو المجموعات الفكرية المناهضة للكنيسة في المجتمع وتسهيل تأثيرهم في الرعية المشتتة.
من البديهي أن يستهجن مؤيدو العماد عون هذا التحليل حيث ان معظمهم من المؤمنين المسيحيين، الا ان ثقافة "تدمير ثقة الرعية بالكنيسة" التي يمارسها العماد عون قد تتطبع رويداً رويداً في عقولهم. ومثال على ذلك ما قاله أحد مسؤولي التيار البارزين رداً على سؤال للاعلامي ملحم رياشي على شاشة الـ "أ.ن.ب." صبيحة الاحد 15/02/2009 حول رأيه في دعم غبطة البطريرك للكتلة الوسطية: "البطريرك لا يملك سوى الصلاة فليدعمهم بصلواته…". هذا الجواب انما يدل على ان الصراع بات مع الكنيسة ومع مفهوم الايمان المسيحي وليس مع البطريرك صفير بحد ذاته، حيث ان الاستخفاف بقدرة الكنيسة على توجيه الرأي العام واستخفاف مؤمن مسيحي بالصلاة انما يدل على حجم الدرك الذي يسعى العماد عون لايصال المجتمع المسيحي اليه.
وفي هذا المجال لا بد من استعادة ما قاله العماد عون للصحافية كارول داغر بتاريخ 4-كانون الاول-1989 والذي نشرته في كتابها "جنرال ورهان" ص. 201-202 على الشكل الاتي:
ذات مساء، في كانون الاول 1989، وبعد ايام على التهديد الذي اطلقه رئيس الجمهورية المنتخب حديثاً بعملية خاطفة ضد قصر بعبدا، كان عون في مكتبه يتناهى الى مسامعه من الخارج ضجيج تظاهرات التأييد والصرخات والشعارات الموقّعة لجمهور هائج محتشد في الباحة الكبرى. خيّم صمت طويل، ثم أشار عون باصبعه الى الخارج، وتكلم كمن يخاطب نفسه قائلاً: "ما تسمعونه هناك ليس مجرد ثورة سياسية، انه ثورة دينية قيد التحضير. فالجدران التي تفصل القاعدة عن القمة سوف تسقط. لماذا ينبغي أن تمرّ علاقة الانسان بالله عبر وسطاء؟ ولماذا الحواجز بين الطوائف؟ يجب الغاء الطقوس والشعائر التي هي كلها بنى تعيق التفكير والحرية. فابعاد كل هذا الطنين المتواصل عن الانسان يعطيه نوعاً من الطاقة الذرّية… أريد تحرير الشعب من الأغلال الاجتماعية، والسياسية والدينية، بحيث يولد مجتمع جديد متحرر من كل هذه التصوّرات، ومتّحد في تعاليم الانجيل. لست أدّعي تأسيس طائفة جديدة على غرار الانجيليين الاميركيين، ولكن يجب الانتهاء من الهرميّة، من المؤسسة الدينية".
أما بعد، فقد بات على المسيحيين ان يتنبهوا الى خطورة الحرب المقنعة التي تخاض ضد الكنيسة والتي تتكشف ابعادها وخلفياتها يوماً بعد يوم وعليهم ان يحزموا امرهم لمواجهة هذه الحرب، فالكنيسة خط أحمر ممنوع تجاوزه لأي كان.
ويبقى ان ان نذكر بما قاله سيدنا غبطة البطريرك صفير في عظة قداس الاحد بتاريخ 12 تشرين الثاني 1989 بعد أسبوع من اعتداء أنصار العماد عون عليه:
"ستبقى الكنيسة الى جانب اللبنانيين وبينهم أماً ومعلمة وضميراً حياً وابواب الجحيم لن تقوى عليها".
ادغار بو ملهب