عض الأصابع في لبنان وغيره
إذا صح افتراض أن المحرّك الإيراني لتوريط «حماس» في تقديم الذريعة الأخيرة لإسرائيل والتي أشعلت فتيل الحرب على غزة، أصاب ضمن ما أصابه عمداً المسار السوري – الإسرائيلي للمفاوضات غير المباشرة، يصح ايضاً افتراض التحفّز الإيراني لمحاولة تعطيل هذا المسار مجدداً، فيما دمشق تعطي إشارة الى تفاؤل باستئنافه.
والسؤال لا بد ان يكون عن الساحة المقبلة بعد غزة، إذا جرّبت طهران مرة أخرى حماية ما تعتبره إحدى أوراقها في المنطقة، أي إبقاء التحالف السوري – الإيراني جرماً في فلك مصالحها.
استباق مبكر لصدام إقليمي جديد؟ ربما، ولكن يصعب الاستسلام الى سيناريوات تخلي طهران بسهولة عن أوراق كلّفتها – فضلاً عن المال – جهوداً على مدى سنوات، لحماية ما تعتبره مداراً لمصالحها، ولو كانت النتيجة الأكيدة تشرذم القرار العربي. وبصرف النظر عن مفارقة نهوض طهران مرجعيةً لفصائل فلسطينية بدلاً من رام الله مثلاً، أو ما صمد من نتائج زيارة محمود أحمدي نجاد لبغداد، أو حتى صراع الأدوار الصامت بين إيران وتركيا – أردوغان، لا يمكن تجاهل مرارة الفصل الجديد في الصدام المصري – الإيراني، ولا المرارة التي تشعر بها القاهرة إزاء إصرار «رأس» جبهة الممانعة على مطاردة دورها الإقليمي، وإحباط جهودها – بالأصالة أو بالوكالة – لتسوية أزمات مثل كارثة الانشقاق الفلسطيني.
… ولا المرارة التي تشعر بها القاهرة إزاء قدرة إيران على إقناع أطراف عربية بأن الدور المصري إقليمياً يحيك شيئاً ما في الخفاء «لمصلحة الأميركيين»، فيما طهران نفسها ترتّب أوراقها بانتظار لحظة الحوار مع إدارة باراك أوباما، وفيما دمشق ترحب بالوفود الأميركية وتحض الإدارة على إعادة سفيرها.
وإذا كانت الحرب الإسرائيلية على غزة نموذجاً لما يمكن ان يتكبده العرب، كلما تفرّد طرف بالانجرار الى مقدمات الصراع، أو قرأ خطأً خريطة المصالح الإقليمية، يجدر بـ «حماس» ان تطالب طهران بـ «نصيحة» حول المخرج الذي يطيل عمر انتصارها، بعدما علّقت إسرائيل كل معابر التهدئة على رأس الجندي الأسير شاليت!… إلا إذا اقتنعت الحركة بأن المعبر الوحيد الى الحل هو بوابة الديبلوماسية المصرية تحت سقف التعريب. وإذا اقتنعت، ستساهم ليس فقط في لملمة آثار نكبة الحرب، بل كذلك في تسهيل عبور العلاقات المصرية – السورية باب التطبيع.
وأما «الصدام» المرتقب، إذا أدركت طهران ان مسار الحوار السوري – الأميركي ينطلق سريعاً، بل يسابق مسارها مع إدارة أوباما، فالأرجح أن تكون ساحته لبنان مرة أخرى، حيث بداية حملات ردح تعكّر التهدئة داخلياً، وهناك من يرتبك بحثاً عن موطئ قدم في المرحلة الانتقالية الممتدة حتى الانتخابات النيابية.
طهران تخشى نجاح العرب في فك تحالف دمشق معها، وتتوجس من الاندفاعة الأميركية على سكة تطبيق توصيات بيكر – هاملتون، إنما مع سورية أولاً. وخشية البعض في لبنان ليست سوى الوجه الآخر من المرآة الذي يدفعهم الى طلب ترجمة أثمان التحالفات بمقاعد نيابية، بل ربما يثير ذعر آخرين إزاء هواجس المتغيرات الإقليمية.
إنه ذعر المضطرب الذي فقَد البوصلة، أو يخشى التفرد به، كبش فداء، وإن لم يكن الصدام في الشارع. لذلك تعلو مجدداً لغة الردح وسط أصوات التهدئة، ويشكو البطريرك الماروني نصرالله صفير من ظواهر صوتية تعبّر عن نفسها في «ألسنة الكلام المقذع وألفاظ التحقير المخجلة».
لذلك ايضاً يتجدد بعض المخاوف على مصير الانتخابات النيابية في لبنان، وهل تدفع ثمناً إقليمياً في الربيع المقبل، فيما يصعب التكهن بطبيعة الرد الإيراني إذا نضجت المصالحات العربية عشية قمة الدوحة نهاية آذار (مارس) المقبل. فلبنان ما زال ساحة بين أسوار هدنة اتفاق الدوحة، تترقب ليس فقط شارة انطلاق عمل المحكمة الدولية مطلع آذار – وهي منعطف رئيسي – ولا الانتخابات النيابية «المصيرية» فحسب، ما دام المنعطف الإقليمي هو مصير «الأوراق» التي تحاول طهران الاحتفاظ بها الى ان ينجلي مصير الحوار مع واشنطن، وهو «لن ينجلي قبل الانتخابات الرئاسية الإيرانية».
عض الأصابع على أشده إقليمياً، وإن كان بعض الأمل بمزيد من الانفراجات العربية يتعزز بمفاجآت عربية مرتقبة، تحتضن بعضها القاهرة، فعض الأصابع في لبنان يتسارع كلما علا الصراخ والشتائم.