الكتـلــــة الثـــالثـــــــة… مــن ؟
لا شك في أن الغالبية الساحقة من المسيحيين (أكثر من 90 %) كانت تؤيد القوى السيادية المسيحية (لقاء قرنة شهوان بمن فيه تيار القوات اللبنانية + التيار الوطني الحر) الموحدة لحظة 14 آذار وكانت بكركي قد قامت بالدور القيادي الأبرز للتيار السيادي في مرحلة الوصاية السورية القاسية، وشكلت لقواها السياسية المظلة الوطنية الواقية من إستبداد قوى الوصاية وأدواتها اللبنانية.
غير أن القوى التي تتألف منها 14 آذار الحالية إقترفت سلسلة أخطاء إستراتيجية (ناتجة عن تقديم بعض أعضائها الحسابات السياسية على الحسابات الوطنية) أدت إلى ضرب وحدة القوى السيادية وإضعاف دور بكركي الوطني.
فالتحالف الرباعي وفرض قانون الألفين أغضبا المسيحيين وبكركي وعاكسا توجهاتهم في إعادة توازن معقول في السلطة كان قد فقد تماماً في زمن الوصاية السورية، مما أدى إلى تصويتهم ضد مرشحي 14 آذار المسيحيين الذين أعطوا إنطباعاً، صحيحاً او خاطئاً، أنهم ملحقون بركاب القيادات المسلمة. فذهب حوالي 40 % من الأصوات المسيحية إلى مرشحي التيار الوطني الحر لتضاف إلى حوالى الـ 30 % من الأصوات التي تشكل النواة الصلبة للشعبية العونية. وهكذا حصد العماد عون 70 % من أصوات من إقترع من المسيحيين وأضحى الزعيم المسيحي الأقوى واقعاً وبإعتراف بكركي ذاتها.
وأتى تشكيل حكومة السنيورة الأولى بتمثيل مسيحي في غاية الضعف ومن دون مشاركة التيار الوطني الحر الوازن مسيحياً ليزيد الطين بلّة ويزيد من توجسهم من القيادتين السنية والدرزية ويجعل الرأي العام المسيحي يتجه أكثر فأكثر لتأييد العماد عون.
غير أن الأخير، بالرغم من الإساءات التي كان يتعرض لها من قبل قوى 14 آذار نتيجة للنهم السلطوي لبعضهم، والذي طبع تصرفاتهم آنذاك، لم يحسن اللعبة السياسية فأخطأ بالتموضع السياسي الذي أطاح قدرته على الفوز برئاسة الجمهورية، ومما أدى به إلى تموضعه الوطني الحاضر المعاكس لما كان عليه خلال كل تاريخه القديم والجديد.
بدأت مسيرة تحوله إبتداءً من تاريخ 6 شباط 2006 حين وقّع على ورقة التفاهم مع "حزب الله". واعتبرها في حينه تفاهماً ليس إلا، ونفى صفة التحالف عنها، مبقياً الباب مفتوحاً للعب دور خلاصي توحيدي على المستوى الوطني في مرحلة لاحقة.
وشكلت حرب تموز مناسبة له، هو "المتفاهم" مع "حزب الله" والمتجذر في التيار السيادي والكياني اللبناني، لطرح مشروع خلاصي للبنان، ينطلق من أولوية صيانة سيادة لبنان واستقلاله وحريته وسلامته واستقراره وإبعاده عن التجاذبات الإقليمية والدولية القاتلة على قاعدة حل مشكلة السلاح الخارج عن المؤسسات الدولتية بالتوازي والتزامن مع إعادة إنتاج سلطة (حكومة، رئاسة جمهورية، قانون إنتخابات ومن ثم إنتخابات) تحقق المشاركة السوية في السلطة كما هي في معادلة الطائف والدستور وبالتالي تطمئن كل الجماعات والقوى.غير أنه لم يلتقط هذه الفرصة بالرغم أنها راودته.
ومع خروج الوزراء الشيعة من الحكومة وبدء الإعتصام في وسط بيروت، إنتقل من مرحلة التفاهم إلى مرحلة التحالف مع "حزب الله" التي سرعان ما تحولت إلى تحالف مع كل حلفاء الحزب (أي حلفاء سوريا القدامى الذين لم يلتحقوا بالحركة السيادية اللبنانية حتى بعد الخروج السوري من لبنان) في إطار المعارضة الجمعاء ( 8 آذار + التيار الوطني الحر).
إن هذا التموضع السياسي جعل منه رأس حربة المعارضة حيث أنه لم يعد بالإمكان تسويقه بعد 7 أيار ومؤتمر الدوحة كمرشح توافقي لرئاسة الجمهورية.
أما بعد انتخاب العماد سليمان رئيساً للجمهورية، فقد زار العماد عون طهران ودمشق وأصبح خطابه السياسي متناغماً مع خطاب المربع الإستراتيجي (إيران وسوريا و"حزب الله" و"حماس") المعادي لغالبية العرب وأميركا وأوروبا والغرب عموماً كما المجتمع الدولي.
لقد أثبتت التجارب بما ليس فيه شك أن أي زعيم مسيحي إبتعد عن ما يمكن تسميته المسلمات الطبيعية والتاريخية للمسيحيين (التمسك بالحرية المفهومة بمضامينها العميقة وبعناوينها كافة، الحفاظ على العيش المشترك على قاعدة الشراكة الحقيقية والسوية في السلطة بين المسيحيين والمسلمين، قيام الدولة القوية العادلة والضامنة للجميع) فشل في مسعاه القيادي. هذا ما حصل مع السيد إيلي حبيقة عندما إنعطف نحو الاتفاق الثلاثي، كما أن القيادات المسيحية التي إستحدثت في فترة الوصاية السورية أو تلك التي تماهت مع الوصاية حفاظاً على مشاركتها في السلطة لم تتمكن من التقليع شعبياً بإستثناء السيد سليمان فرنجية لأسباب خاصة جداً ترتبط بطبيعة النسيج الزغرتاوي والمأساة العائلية التي ألمت به. في المقابل، شاهدنا أن المسيحيين تسامحوا مع الدكتور جعجع والعماد عون لما اعتبروه في حينه تقاتلاً عبثياً نتج عنه تدمير عناصر قوتهم في كافة المجالات وضربة قاصمة لدورهم الرائد في لبنان.
من هنا، يمكن التأكيد أن ثمة حالة شعبية مسيحية واسعة غير مقتنعة بصواب أداء عدد من قوى 14 آذار وباتت ترفض رفضاً قاطعاً التموضع السياسي والخطاب الوطني المستجدين للعماد عون.
هذه الحالة ترفض الإصطفاف تنظيمياً وراء 14 آذار وسياسياً ووطنياً وراء 8 آذار. هذه الحالة هي حالة شعبية مستقلة تمثل حوالى 50% من المسيحيين (ممن شاركوا وممن لم يشاركوا في الإنتخابات الأخيرة) وهي موجودة بصرف النظر عن وجود العماد سليمان في سدة الرئاسة، وهي تتظلل وطنياً بالكنيسة وتتمسك بالمسلمات الطبيعية والتاريخية للمسيحيين، وهي طبيعياً تسعى أن تتمثل في المجلس النيابي والسلطة عموماً وإن لم تتمكن حتى الساعة من أن تتوحد وتتهيكل وتبلور خطابها الوطني وأن تثبت نفسها كقوة سياسية ثالثة واضحة المعالم، وهي موضوعياً وواقعياً لا يمكنها إلا أن تتماهى مع موقع رئاسة الجمهورية وأن تكون سنداً له وأن ترى في العماد سليمان مرجعها الأعلى، خاصة أنه برهن بالملموس على أنه لبناني صرف وتوافقي بإمتياز وأنه تصرف حتى الآن بأفضل طريقة ممكنة ضمن الظروف والموازين القائمة وأن بإمكانه بالتالي قيادة لبنان إلى الشاطئ الأمين.
هذه الحالة ترفض الدخول في منطق أفعل التفضيل بين السنة والشيعة أو الإصطفاف وراء هذا أو ذاك أو محاولة إستغلال التناقضات بينهما أو التهجم المسعور على هذا أو ذاك. وعلى عكس هذا التوجه، تسعى أن تعالج هذه التناقضات في ما يحفظ العيش المشترك ووحدة اللبنانيين وإخراج لبنان من التجاذبات الإقليمية والدولية كافة، المضرة باستقلاله وسيادته وحريته وأمنه واستقراره. هذا هو دور المسيحية في لبنان التي من دونها لا وجود للبنان المميز وللبنان الرسالة.
فإذا تمكن العماد عون من كسب ما لا يقل عن 50 % من أصوات المسيحيين، يكون قد أحدث تغييراً خطيراً ذا شأن ليس فقط في الوسط المسيحي، إنما في لبنان ككل حيث يفقد لبنان حينها ما يميزه في عالمه العربي. وعندئذ، يمكن "حزب الله" تأكيد مساندة المسيحيين أو غالبيتهم له ولكن هذه المرة عن حق لأنهم يكونون قد إنتخبوا لوائح العماد عون على قاعدة خطابه الداعم للمقاومة الإسلامية التي يقوم بها حليفه الأكبر، "حزب الله".
لذا، أتحدث عن التيار المستقل في الوسط المسيحي لأن المعركة في الدوائر ذات الغلبة المسيحية هي التي تحسم المعركة ككل وتحدد الخريطة السياسية اللبنانية، كونها شبه محسومة في الدوائر ذات الغلبة المسلمة.
ومن هنا، يمكن فهم الهجوم الصاعق الذي قام به العماد عون على "الكتلة الوسطية"، والتي كان الحريّ تسميتها بالمستقلة أو القوى الثالثة، ظناً منه أنه إذا تمكن من دفع من يرغب بتمثيل هذا التيار المستقل إلى الإحجام عن الترشح، يمكنه الحصول على ما لا يقل عن 50 % من الأصوات، نظراً الى الضعف النسبي الذي يعتري 14 آذار المسيحية.
غير أن الرئيس سليمان لم يستسلم للضغوط المتواصلة عليه. وفي مطلق الأحوال، ليس من حقه ولا من واجبه أن يمنع من يرغب أن يترشح تحت أية يافطة كانت، أن يفعل.
ومن الطبيعي أن يخرج البطريرك الماروني عن صمته ويدعم وجود كتلة مستقلة لما يستشعره من خطر هائل على لبنان إذا ما حصلت 8 آذار على الغالبية.
وهنا، يجب التوقف عند الإحتمالات الثلاثة الممكنة لنتائج الإنتخابات:
الإحتمال الأول هو أن تحصل 14 آذار على الغالبية (العادية بالطبع). في هذه الحال، يظل الوضع على حاله، أي راوح مكانك. وهنا، لا بد من الإشارة إلى أن موقف 14 آذار القائل برفض العودة إلى حكومة وفاق وطني وتشكيل حكومة الغالبية لا ينفع في ظل إختلال الميزان العسكري-الأمني لمصلحة 8 آذار: فإما حكومة "تعطيل أعمال" وإما 7 أيار جديدة.
الإحتمال الثاني هو أن تحصل 8 آذار على الغالبية (العادية أيضاً). في هذه الحال، تقع الكارثة : لن تشارك 14 آذار بالحكومة لكي لا تغطي سياسات 8 آذار ويصبح "حزب الله" قابضاً على السلطة الشرعية حتى في حال لم يشارك أي من مسؤوليه مباشرة في الحكومة. ويصبح الأقوى خارج الدولة وداخلها وتهمش رئاسة الجمهورية إن رفضت الإنصياع للواقع الجديد. وينظر إلى لبنان ككل حينذاك من الخارج على أنه أصبح في يد "حزب الله" واصبح كله مقاومة وجزءاً من تحالف رباعي متجدد: إيران، سوريا، لبنان، غزة. من النافل القول إن هذه الحال الجديدة تستجلب على لبنان الحروب المدمرة. كما أن هذه الحال، سوف تعني هروب رؤوس الأموال من المصارف اللبنانية في ظل أزمة مالية واقتصادية عالمية حادة وايقاف المساعدات الدولية له، مما يؤدي إلى كارثة مالية واقتصادية واجتماعية لا مثيل لها.
أما الإحتمال الثالث، فهو أن لا تحصل 14 آذار ولا 8 آذار على الغالبية لمصلحة كتلة مستقلة حددنا معالمها الموضوعية أعلاه. في هذه الحال، تقوى رئاسة الجمهورية ويتفعل دور الرئيس الذي يصبح بيضة القبان في اللعبة السياسية والقائد الفعلي للبلاد حيث يمكنه حينذاك توسيع نفوذه داخل الحكومة الجديدة من الإمساك بالدفاع والداخلية إلى الحصول على القدرة على حسم غالبية الثلثين لمصلحة هذا الطرف أو ذاك داخل الحكومة في كل موضوع أساسي يكون موضع خلاف بين 14 و 8 آذار.
وفي الخلاصة، إن إحترام الناس يفترض أن لا نجبرهم بالإختيار بين الأسود أو الأبيض، بل أن ندعهم يختارون من يريدون أن يمثلهم. وإذا تمكن التيار المستقل من أن يتمظهر كقوة ثالثة تمتلك كتلة نيابية مرجحة، فهذا الأمر يشكل وطنياً أفضل الممكن أن يحصل للبنان ضمن الظروف والموازين التي يعيشها.