#adsense

يرفضون «الفيتو» في مجلس الأمن ويعتمدونه نظاماً «ديموقراطياً» في لبنان

حجم الخط

يرفضون «الفيتو» في مجلس الأمن ويعتمدونه نظاماً «ديموقراطياً» في لبنان

الحجج والتفسيرات والمنطق التي يستخدمها المصرّون على اعتماد مبدأ الثلث المعطّل في اي ‏مشاركة في الحكومات، ليست حاسمة او قوية او حتى معقولة، ليقتنع بها الناس، قبل ان يقتنع ‏بها السياسيون، خصوصاً الناس الذين يفكّرون ويقارنون ويتابعون ويتحلّون باستقلالية في ‏الموقف والتفكير، ولا «يسيرون على عماها» كما يقول المثل، ويبصمون ويهلّلون ويفدون بالدم ‏والروح، افخاذ الآلهة الذين يتحكمون بالبلد وبمقدراته منذ عقود، واكثر ما يدعو الى ‏الشفقة على الواقع السياسي الذي وصل اليه لبنان، ان بعض القيادات تقسم باغلظ الايمان ‏ان تركيبة لبنان الطائفية لا تسمح له بالحياة، الاّ من خلال المشاركة في الحكم على قاعدة ‏الثلث المعطّل، وكأني بهؤلاء لم يقرأوا تاريخ لبنان، ولم يعيشوا بعضه، ليعرفوا ان هذا ‏الوطن كان رائداً في ا‏لحياة البرلمانية الديموقراطية، أثناء الانتداب الفرنسي، وبعد ‎نيل الاستقلال وحتى‏ اتفاق الطائف، الذي تسبب تطبيقه الاستنسابي، الاعتباطي، المشوّه، ‏بتشويه الحياة الديموقراطية البرلمانية، بحيث استغلّ بعض اللبنانيين تقرّبهم من السوري، ‏ومسخوا اتفاق الطائف وبنوا على السلبيات الواردة فيه، وتجاهلوا الايجابيات التي كانت ‏وراء قبول المسيحيين به، وفي مقدمهم البطريرك الماروني نصرالله صفير والقوات اللبنانية ‏وحزب الكتائب وغيرهم من الشخصيات الاخرى.

‏ ان مفهوم الشراكة في الحكم، كان مطبقاً منذ زمن بعيد في لبنان، ولكن على غير الاسس ‏والقواعد التي يحلو للبعض اليوم اعتمادها او فرضها على فريق سياسي هم على خصومة معه، ‏فالمشاركة في الحكم ماضياً كانت تعني ان جميع الطوائف والمذاهب التي يتشكل منها لبنان، ممثلة ‏في الحكم والحكومة، والقرارات الحكومية كانت تناقش في السر والعلن، ولكن في النهاية هناك ‏اكثرية تفرض القرارات ويلتزم بها الجميع، واذا لم يعجب قرارها احد الوزراء فيستقيل، ‏يستبدل سريعاً بوزير آخر، وتدور عجلة الحكم والحكومة، ولا تتعطل لأن طائفة قررت ان تنسحب ‏من الحكومة، او ان تستخدم سيف الثلث المعطّل لتعطيل عمل الحكومة، ويمكننا في هذا المجال ذكر ‏عدد من الحكومات التي لم تكن تمثّل جميع مكوّنات المجتمع اللبناني.

مثل الحكومة الرباعية بعد ‏احداث ‏العام 1958 «سنيّان ومارونيان»، ومع ذلك لم تقم قيامة الطوائف الاخرى غير ‎الممثلة، ولم يتعطل البلد بالتظاهرات والاعتصامات والاضراب واقفال الطرق والمؤسسات.

‏ المشكلة في لبنان ليست بالانظمة او القوانين والدساتير، بل هي في نموّ الاحادية السياسية عند ‏الطوائف، وباعتماد هذه الطوائف وسائل غير ديموقراطية للتعايش مع غيرها، واذا كانت هذه ‏الاحادية مستوطنة حالياً لدى الطائفة الشيعية، فقد تتنقل غداً الى الطائفة السنّية، او ‏الطائفة المسيحية، خصوصاً عند الممارسة، وعندها تنقسم الدولة نظرياً وعملياً الى دويلات ‏طائفية، تنتظر كل طائفة الوقت المناسب لفرض وجودها وشروطها على غيرها، فهل هذا ما ‏يريده القياديون بأن يتحوّل لبنان الى ساحة صراع ينتصر فيها من يقتل الآخر، بانتظار ‏قدوم مصارع آخر ينتصر على من انتصر سابقاً.

‏ ‏* * * * *‏
الكل يعرف، والبعض يتجاهل، ان آباء اتفاق الطائف، عندما جزموا بأن لا شرعية لكل ما ‏يناقض العيش المشترك، كانوا ينطلقون من ان الحرب التي يريدون وضع حدّ لها، انما هي حرب بين ‏المسيحيين والمسلمين، وليس بين المسلم السني والمسلم الشيعي، او بين المسيحي الماروني والمسيحي ‏الارثوذكسي، ولذلك فان مفهومهم للعيش المشترك، ينحصر تحديداً ما بين المسيحيين والمسلمين، امّا ‏التمسّك بحرفية هذا النص وسحبه على كل الطوائف فيستخدمان لاغراض خاصة، مع العلم بأن ‏تطبيق الطائف منذ انتخابات العام 1992 وحتى العام 2005 كان تطبيقاً فئوياً ومتناقضاً في ‏الجوهر مع صيغة العيش المشترك، بسبب تهميش الاكثرية الساحقة من المسيحيين، ومع ذلك، لا ‏الشريك المسلم رفض هذا الغبن اللاحق بالمسيحيين، ولا المسيحيين اعلنوا الثورة المقدسة، بل ‏ناضلوا سلمياً وديموقراطياً وبما تسمح به القوانين لاسترجاع حقوقهم المهدورة.

‏ ‏* * * * *‏
في حديث الرئيس نبيه بري الى الزميلة «النهار» امس، حول موضوع الديموقراطية بعض محطات ‏التناقض في جهده للدفاع عن «الديموقراطية اللبنانية» فعندما يقول الرئيس بري ان فوز ‏المعارضة لا يسمح لها بتخطي النائبين سعد الحريري ووليد جنبلاط، ووضعهما خارج اي حكومة، ‏يكون الجواب ان هناك فاعليات درزية وسنّية اخرى حليفة للرئيس بري ولتكتل 8 آذار يمكن ‏الاستعانة بها حتى ولو لم تكن تتمتع بشعبية الحريري وجنبلاط، وهذا ما اعتمد بموافقة الرئيس ‏بري وغيره بالنسبة الى المسيحيين في الحكومات التي توالت منذ 1992، وعندما يتساءل الرئيس ‏بري كيف سيقترع اللبنانيون في ظل عدم وجود مجلس دستوري، يكون الجواب ايضا ان الثلث ‏المعطّل الذي يدافع عنه الرئيس بري هو الذي يمنع تعيين المجلس الدستوري، ويمنع تعيين ‏المحافظين، ويمنع تعيين المدراء العامين، ويمنع حتى الآن التوافق على الموازنة العامة، وعلى ‏اصول التنصّت، وعلى مفهوم الدولة الواحدة.

‏ العلّة يا دولة الرئيس بري، وانت لك مساحة محبة وتقدير عند الاكثرية الساحقة من ‏اللبنانيين، ليست بالمشاركة ذاتها، التي هي مطلب جميع الناس، لكنها في التعقيدات ‏والفيتوات والقدرة على التعطيل التي يفرضها امتلاك فئة لحق النقض الظالم، الذي عانى منه ‏اللبنانيون الكثير في مجلس الامن، وجاء البعض يطالب به نموذجاً للحياة الديموقراطية، التي ‏تصبح معه، ليست عرجاء وحسب بل مكرسحة تماماً.

‏ لم يعد اللبنانيون قادرين، اقتصادياً وسياسياً، على الجمود الذي يعوق سير الدولة والحكم، ‏لم يعودوا قادرين على تحمّل اعباء الثلث المعطّل.

المصدر:
الديار

خبر عاجل