حدود التناغم بين المعارضة والموالاة
التطورات السياسية والامنية التي شهدها البلد خلال الايام القليلة الماضية والتي استتبعت صدور مواقف من مختلف الاطراف المتقابلة اتسمت بالهدوء والرصانة وبحد كبير من فهم طبيعة لبنان وتركيبته السياسية.. فقد استطاعت تلك المواقف المتزامنة احيانا بتحركات استعابية على الارض. ان تعمم اجواء ايجابية تضفي الكثير من التهدئة على مناخ كان ما يزال سائداً ومعبئاً منذ السابع من ايار الماضي وربما قبل هذا التاريخ. فهل يكفي البلد مثل هذه الخطابات الهادئة والمساعي لوأد جديد لفتنة متنقلة وان تكون سمة الخطاب السياسي مرتبطة بحوادث امنية آتية فيما الثبات على المواقف من القضايا الخلافية يبقى قائما حيث لا تستطيع مثل تلك الخطابات حجب الرؤية عن عمق الخلافات التي باتت تطال تركيبة البلد في العمق…
اوساط سياسية مطلعة توقفت مليا عند الاداء السياسي لقوى الرابع عشر من آذار التي كانت معنية بشكل مباشر بسلسلة الاحداث الامنية التي تلت الاحتفال بالذكرى الرابعة لاستشهاد الرئيس الشهيد رفيق الحريري وسائر شهداء ثورة الأرز.. كما توقفت عند الأداء السياسي أيضاً لبعض الرموز الأساسية لفريق الثامن من آذار حيث استطاعت مواقف الفريقين من استيعاب التوتر… وحتى استخدامها في وأد تلك الفتنة وقالت انه في موازاة احياء ذكرى شهداء الرابع عشر من آذار حيث جرى الحديث عن ضرورة احترام كل فريق لشهداء الفريق الآخر فقد لاقى هذا الموقف ترداداً لدى رئيس المجلس النيابي نبيه بري وأمين عام حزب الله حسن نصرالله وجرت على هامش الاعتداءات ونتائجها مشاركة في العزاء الأمر الذي ارسى حالة تهدئة كان الجميع بحاجة لها.
وتشير الأوساط الى ان بعض المواقف التي أعلنها السيد نصرالله خلال احياء الذكرى الاولى لاستشهاد عماد مغنية والتي تتعلق بأفول زمن التفرد أو الثنائية أو المثالثة الطائفية في حكم البلد كان لها الوقع الايجابي لدى فريق الرابع عشر من آذار الذي اعتبر تلك المواقف تكريساً عملياً لمبدأ الشراكة الوطنية والتي يبدو انها تتطلب المزيد من النقاش والحوار حول سبل ترجمتها في حكم البلد وقيادته.
وتساءلت الأوساط عن الصلة بين شعار الشراكة وحرص السيد نصرالله على استمرار الثلث المعطل أو الضامن لدى هذا الفريق أو ذاك بعد الانتخابات النيابية المقبلة… افليس الثلث الذي يعطل الحكومة الحالية والذي اعترف السيد نصرالله بدور هذا الثلث التعطيلي الا يقوم على ثنائية مذهبية وسياسية في آن؟؟ وهو محمي لحجم وكم ومواقع عسكرية وأمنية وسياسية خارج إطار الدولة والشرعية.. فكيف يستوي منطق الشراكة والدعوة الى ثلث معطل تقيمه الثنائيات.
وتلاحظ الأوساط ان السيد نصرالله الذي بدأ مدافعاً عن الثلث المعطل أو الضامن في معرض الحديث عن الشراكة وسقوط الثنائيات عاد الى الاعتراف بإمكانية قيام حكومة من دون توافق أو شراكة لكنه دعا الى ان تحكم بعقلية وطنية وبعقلية المصلحة العامة لا الثأر أو الانتقام.. فاذا كان هذا الموقف لا يندرج في اطار انتخابي فهو متقدم جدا ويمكن البناء عليه على اعتبار انه مطروح ليكون حقيقة قائمة سواء كانت الانتخابات في مصلحة هذا الفريق أو ذاك.. والسيد نصرالله لم يكن ينظر بالطبع لخيار يعني فريقه السياسي.
وتحاول الأوساط مناقشة السيد نصرالله في المسألة التي أشار اليها في خطابه الاخير لجهة الحصص والمشاركة في الحكومة التي ستشكل بعد الانتخابات المقبلة أو تلك التي تشكلت وتنازل فيها الحزب عن مقاعده لمصلحة فريق في المعارضة يوم جرى التنازل للحزب السوري القومي الاجتماعي كي يتبوأ منصباً وزارياً كان مقرراً لحزب الله، فتنازل الحزب لوزير يدعي العلمانية ويمثل المذهب الشيعي وبهذا المعنى تقول الأوساط ان المسألة غير مطروحة على قاعدة ما اشار اليه السيد نصرالله من انه "إذا نالت الموالاة الاغلبية في المجلس النيابي بزيادة نائبين أو ثلاثة فهي تذهب الى تشكيل حكومة فيما هناك طائفتان كبيرتان اخذتا اكثرية في طوائفهما فيبقى تمثيلهما خارج الحكومة" افليست هذه اللعبة الديموقراطية في لبنان منذ زمن بعيد وهي اس النظام الديموقراطي حيث الاكثرية تحكم والاقلية تعارض.. ثم الا يعني التمثيل الصافي لطائفتين مثلاً وانحساره في محور سياسي واحد ومحدد الا يعني اصطفافاً سياسياً حتى لو تشكل من نواب تجمعهم طائفة أو مذهب معين؟ ثم هل ان قوة حزب الله متأتية من حجمه أو دوره في الحكومة مثلاً أو في المجلس النيابي؟ بالتأكيد لا.. حتى ان قوته لم تأت من مجرد تمثيله لاكثرية شيعية انما اولاً لانه يملك سلاحاً ومن ثم قراراً يحرك هذا السلاح خارج إطار الدولة وثمة فريق سياسي في الحكومة يملك الثلث المعطل ويتحكم بهذه المؤسسة ثانياً ويجعلها كما قال السيد نصرالله تمشي ببطء.
وتخلص الأوساط الى القول ان احداً لا يستطيع ان يسقط الجانب الايجابي من خطاب السيد نصرالله والذي لاقته قيادات في الرابع عشر من آذار في وسط الطريق.. إلا ان كلاماً آخر قاله السيد غيّب فيه الدولة حتى الدولة القادرة والعادلة التي يتحدث دائماً عنها وحاول هذه المرة ان يضيف الى مهام مقاومته مهام التصدي للطيران الحربي الإسرائيلي من غير ان يتوقف عند الجهود التي بذلت وتبذل للحصول على طائرات حربية ومروحية واسلحة متطورة لصالح الدولة اللبنانية لكي تقوم بواجب الدفاع عن لبنان. فهو أسقط حتى الساعة كل الطروحات التي قدمت من أجل وضع إستراتيجية دفاعية ولم يعلن عن إستراتيجيته بالكامل لكن العنوان الجديد الذي قدم تحت خانة حق اقتناء المقاومة لا الدولة سلاح دفاع جوي مؤشر جديد.