7 حزيران: موعد دولة القانون مع رواد الاستقلال
المهرجان المليوني المكرر، الذي أقيم في الرابع عشر من الجاري في ساحة الشهداء، كان الحدث، حدثاً على مستوى المعايير الوطنية الكبرى، ذكرى الشهيد الرئيس رفيق الحريري أحيت في قلوب وأذهان اللبنانيين ضريبة الدم التي دفعها سائر شهداء انتفاضة الاستقلال، دفاعاً عن لبنان سيد حر وعن مستقبل له آمن ومستقر.
كل ما عدا ذلك، من ردور سلبية عليه أو من اهتمامات جانبية يوضع في خانة فريق معين من اللبنانيين، عمل وما زال يعمل بذهنية العداء المستمر لكل ما يرعى أصول الممارسة السياسية الصحيحة، التي يفرضها الدستور والقوانين وأخلاقية الولاء الوطني.
عجيب أمر هؤلاء. العيب اللافت عندهم يتجلى بشكل واضح في ارتباطهم الوثيق بدولتين اقليميتين تتدخلان في صلب شؤون لبنان الداخلية وصلب نظامه السياسي، في الانتخابات الرئاسية وموضوع الحكومات، على سبيل المثال.
فحوى الخُطَب
ما تفوه به الخطباء الستة في لقاء ساحة الشهداء، كان واضحاً في مضمونه ومختصراً، بالإضافة الى اختيار الخطباء الذي حمل أكثر من معنى ومن مغزى.
طرحوا أفكاراً وقناعات ذاتية، بعيداً عن روح التحدي أو الاستفزاز، وركز جميعهم على ثلاثة أمور أساسية: التمسك ببناء دولة قوية، تفرض سلطتها على جميع الأراضي اللبنانية بقواها الذاتية، من خلال أجهزتها الأمنية الرسمية، دعم المحكمة ذات الطابع الدولي التي تعود اليها محاكمة المجرمين، الذين اغتالوا رموز الأغلبية النيابية، ثم دعوة المواطنين الى تحكيم ضمائرهم في الانتخابات النيابية المقبلة، بحيث يختارون من هم أكثر أهلية لتمثيل الشعب اللبناني ككل.
"ميني" 7 أيار
لم تستوعب ولم تهضم بعض فلول المعارضة المجهولة والمعروفة جيداً ما قيل في مهرجان ساحة الشهداء. فقام زعران الأزقة، في عدد كبير من أحياء بيروت وفي مناطق أخرى بالاعتداء السافر على الجماهير العائدة من المهرجان بالحجارة والسكاكين والرصاص. فوقع عدد كبير من الجرحى أرسلوا الى المستشفيات، ولم ينج من جراحه عضو الحزب التقدمي الاشتراكي لطفي عباس زين الدين ابن الشبانية، الذي توفي في اليوم التالي.
كان النائب وليد جنبلاط واضحاً في كلامه: طلب من جمهوره الإقلاع عن أي رد فعل، في موازاة إصراره على إلقاء القبض على المجرمين ومحاكمتهم.
خُطف المهندس جوزف صادر، أحد سكان مغدوشة، في 12 الجاري في جوار مطار الحريري ولم يُعرف مصيره حتى الآن على مسافة خمسة أشهر من الانتخابات النيابية، كأن هناك ما يشبه عملية 7 أيار 2008، هذه المرة بنية توتير الأجواء ربما لعرقلة إجراء تلك الانتخابات.
على الاجهزة الأمنية أن تتحرك بسرعة كي تردع هؤلاء الرعاع الشارعيين ومصادرة سلاحهم قبل فوات الأوان.
تعطيل سياسة التعطيل
لم تتمكن الحكومة حتى اليوم من إقرار موازنة 2009، بسبب إصرار نبيه بري شخصياً على تخصيص مجلس الجنوب بمبلغ من المليارات، أعضاء المجلس الدستوري الخمسة، الذين سيعينهم مجلس الوزراء، لم يُتخذ أي قرار بشأنهم، التعيينات في الإدارات العامة هي ضحية الثلث المعطل. على حكومة الرئيس فؤاد السنيورة أن تكسر هذا الطوق المعطل وتضع الجميع أمام مسؤولياتهم وتتخطى تصلب المعارضة. فلتفرض الأكثرية الوزارية ما تريد وما تشاء، وليس من المقبول الخضوع لمناورات المعارضة والتلاعب بمسار الحياة السياسية في لبنان.
"مرتى" عين التينة
يتمادى رئيس مجلس النواب نبيه بري في إلقاء القنابل الدخانية، بحيث يصرف الأنظار عما هو مهم وأهم، ويهتم بأمور كثيرة، علماً أن المطلوب حالياً هو واحد.
وهو جعل من موضوع ميزانية مجلس الجنوب منطلقاً للإكثار من الكلام عن كل شيء عبر الأثير. يهاجم الحكومة التي هو مُمثل فيها، بل يحرض الناس على الحكومة وبصورة غير مباشرة على الرئيس العماد ميشال سليمان، يتحدث عن أمور ومواضيع، ليس الآن وقتها، وعاد الى الحديث عن قانون انتخاب جديد يعتمد كل لبنان أو المحافظات الخمس دائرة انتخابية واحدة، على قاعدة النظام النسبي، متشوقاً الى محادل أكثرية ونسبية لا تقود إطلاقاً الى أي تمثيل صحيح.
وعظ بكتاب تاريخ جديد وتربية وطنية جديدة. ويُطرح السؤال الكبير هنا: هل هو شخصياً والمعارضة اجمالاً يستحقون أن ترد أسماؤهم في تاريخ السنوات الأربع الأخيرة؟ وهل تنسجم التربية الوطنية التي يدعو اليها مع قناعاتهم الوطنية الكبرى؟
أعاد طرح موضوع إلغاء الطائفية السياسية في هذا الظرف بالذات. وهل من الممكن أن يُطرح هذا الموضوع اليوم أو غداً، قبل أن نشهد بالعين المجردة التزام جميع القيادات اللبنانية بالولاء المطلق للبنان الدولة، أو نشهد بعض تلك القيادات متفلتة كلياً من ارتباطات خارجية، تمعن تهشيماً بنظام لبنان السياسي؟
كلام حسن نصرالله
ما قاله أمين عام "حزب الله" في 16 الجاري، في الذكرى السنوية الأولى لاغتيال عماد مغنية في دمشق، يسترعي الانتباه.
استنكر بالطبع الاعتداءات على جماهير 14 آذار بصورة مقتضبة لكن بعض كلامه يثير بعض الملاحظات.
1 ـ إصراره على مقاومته.. والحديث عن سلاح مضاد للطائرات من الممكن الحصول عليه، وكأنه البديل عن جيش لبنان النظامي.
2 ـ دعا الى قيام أجواء هادئة في مرحلة ما قبل الانتخابات، ولم يشر الى هوية الذين قاموا بالاعتداءات الأخيرة، أو الى نية في ضبط قواعده الشعبية.
3 ـ قال إن المعارضة، في حال فازت في الانتخابات هي أمام خيارين: حكومة وحدة وطنية تعطي الثلث المعطل للمعارضة، وإذا رفضت المعارضة ذلك، ستتولى الأكثرية الجديدة الحكم بمفردها.
4 ـ ونسأل هنا: لماذا قاومت المعارضة بشكل شرس قيام الأكثرية بحكم لبنان بمفردها خلال السنوات الأربع الماضية؟
سلام وألف سلام على لغم الثلث المعطل. لأن هذا الثلث المبتكر عرقل ويعرقل بشكل خطير مسار الحياة السياسية في لبنان، كما شهدنا ذلك في الماضي وما زلنا نشهده اليوم.
انتخابات المقاومة
أعلن منذ فترة "حزب الله" وحركة "أمل" عنوان برنامجهما الانتخابي، اختصرا هذا البرنامج بنقطة واحدة: الدفاع عن هوية لبنان المقاوم.. لم يعد أهل الجنوب وأهل لبنان عادة بحاجة الى نمط مقاومة ولى زمانها.
إبقاء لبنان في حالة حرب دائمة لم يعد مقبولاً.
كأنهم يريدون للبنان مزيداً من الدمار والخراب، ويبدو أن السلاح والأموال المتدفقة على حاملي لواء المقاومة من الخارج المعروف تحول الى عبء عليهم وعلى لبنان، ككل.
قيادات المقاومة العليا تتمتع برغد العيش وتشعر ببعض الأمان الذي يرتد كوارث على شعب لبنان.
لم يعد أي جدوى وطنية من مقاومة وجهت سلاحها الى الداخل اللبناني لنفعل ما تمارسه سوريا في هذا المجال.
هدوء الجولان المحتل يماثله هدوء الجنوب اللبناني وكل لبنان.
والتفاوض المباشر مع إسرائيل، هو الطريق الأسلم لتحرير مزارع شبعا المحتلة.
وإذا كان الولي يقوم بذلك في دمشق، فلماذا أدوات سوريا وإيران في لبنان المولى عليهم، يمارسون العكس المدمر، في طهران ودمشق يقطع رأس كل من يجرؤ على المساس بالأمن الداخلي، فلماذا لا يُمارس الأمر ذاته في لبنان؟ للمغامرات العبثية حدود ونهايات.. فكفى، وألف كفى لمسار الذل، الذي اختاره فريق سياسي في لبنان لدولته اللبنانية. وقد تكون المقارنات البسيطة مدخلاً لأن يعيد البعض النظر في أخطائهم الجسيمة بحق بلدهم.