لا ندري في حمأة قرع طبول الضربة الغربية للنظام السوري وما يمكن ان يصيب لبنان من انعكاساتها الحتمية فوق ما اصابه ويصيبه في الاستهدافات الارهابية كم ستتجلى “الحكمة” السياسية لتحييد ما تبقى من قدرة لبنانية على تجنب السقوط في الجحيم الاقليمي المتصاعد. ذلك ان فائض التعاطف السياسي المشكور مع ضحايا التفجيرات الارهابية في الضاحية وطرابلس عاد بعد ايام من تبريد الجراح الى نقطة البدايات اياها كأن الوسط السياسي لا يفقه نبرة استشعار التعاطف وأنسنة السياسة الا في المصائب الارهابية وفي لحظاتها فقط.
لكن الآتي على لبنان سيكون مختلفا هذه المرة لا من باب الامن المهدد والاستقرار المستهدف فحسب بل اولا من الانهيارات الاقتصادية والاجتماعية التي تسابق كل شيء وتنذر بالسقوط العارم بما يتجاوز اخطار الفوضى الامنية ورعب التفجيرات الذي يجتاح البلاد.
تبدو هذه الناحية مغيبة تماما عن الجدل السياسي الذي عاد الى الواجهة مع اثارة الملف الحكومي ودوامة الكلام عن تشكيل حكومة جديدة اضحت عنوان ارتهان لبنان للصراع السوري. ولا ندري كم ستقدم او ستؤخر صرخة الهيئات الاقتصادية وانذارها باضراب واقفال فيما عافية البلاد فعلا كأنها تجاوزت حافية الهاوية وبدأت تتدحرج الى قعرها.
لبنان منذ ضربته انعكاسات الازمة السورية والتورط فيها بدأ رحلة الانهيار. هجرة الرعايا الخليجيين لم يسبق حصولها حتى في عز حقبات الحروب والاجتياحات. والجفاف السياحي وصل الى ارقام قياسية. والركود التجاري يراكم الوف العاطلين عن العمل والمسرحين من المؤسسات. ومالية القطاع الخاص ومؤسساته الى افلاسات غير مسبوقة. ومالية القطاع العام بالكاد تقوى على دفع الرواتب. وأكلاف الرعب الارهابي تنذر ما تبقى من مؤسسات عاملة بالانهيارات الحتمية. اما اكلاف النزوح السوري المشارف على ان يرفع نسبة اللاجئين السوريين الى ما يقارب الاربعين في المئة من عدد سكان لبنان فلا تقل عن كارثة لم يعرفها لبنان في تاريخه بحيث يغدو بلد لجوء للوافدين وهجرة لمواطنيه. ولن نبحر في سيناريوات واحتمالات تتصاعد الان على وقع ما يمكن ان يشهده لبنان من مزيد من فائض الارتدادات السورية اذا حصلت الضربة الغربية للنظام وقواته واذا اراد المحور الداعم له اختيار لبنان مسرحا لبعض رده او كله على الضربة.
هذا الخطر الزاحف لا يعرف تصنيفات سياسية وطوائفية ومذهبية وفئوية ومناطقية. ومتى حلت الكارثة لن يكون مجديا في احتوائها اي ميزان قوى ولن يشفع في تبريرها اي منطق ساقط كمنطق ربط لبنان بالصراع السوري الذي لم يعد يوازي الا الانتحار عينه. اما اسوأ الاسوأ فهو ان يضحي الانهيار والاستسلام له الوجه المكمل للارهاب حيث عجزت الفتنة عن تحقيق ما يراد لها تحقيقه.