#adsense

“إنها الانتخابات يا عزيزي”.. خطاباً سياسياً وأمنياً

حجم الخط

"إنها الانتخابات يا عزيزي".. خطاباً سياسياً وأمنياً!

لا حاجة الى اجهاد العقل لاثبات أن ما يشهده لبنان الآن، ان على صعيد النقاش السياسي حول "الشراكة" و"الكتلة الوسطية" أو على صعيد "التفلت الأمني" المتنقل من مكان الى آخر، يتصل مباشرة بالانتخابات النيابية المقررة بعد حوالي ثلاثة شهور… إما سعياً للهروب منها، عبر ارجائها وربما الغائها نهائياً، أو لمحاولة تطويقها وتفريغ نتائجها التي تتبدى جلية للعيان يوماً بعد يوم من مضمونها.

وأن يكون المستهدف في الحالين، السياسية والأمنية على حد سواء، هو قوى 14 آذار والحشد الجماهيري الواسع الذي التف حولها في ذكرى اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه في 14 شباط، ففي ذلك من الاشارات ما ينبئ بمرحلة ربما تكون بالغة السلبية من الآن وحتى حلول موعد الانتخابات. ولأن النقاش السياسي مفتعل ومن دون موضوع، أقله بالمعنى الدستوري، والانفلات الأمني من دون مبرر (هل للقتل بالخناجر والاعتداء بالحجارة وزرع المتفجرات من مبرر؟!)، يصبح جائزاً الظن بأن من يقف وراءهما ما يزال يحتفظ بالأجندة نفسها التي عمل على اخفائها بعد "اتفاق الدوحة" انطلاقاً مما اعتبره يومها "تغييراً في موازين القوى" بنتيجة ما اقترفه في 7 أيار العام 2008.

فعلى الصعيد السياسي، ليس جديداً القول إن روح "اتفاق الدوحة" هي أنه توافق مرحلي على الخروج من عنق الزجاجة تأميناً للطريق الى اجراء الانتخابات النيابية في موعدها. ولذلك فقد نص، الى انتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل حكومة وحدة وطنية (بما فيها الثلث المعطل)، على قانون للانتخابات يراعي تقسيمات ادارية محددة ويفتح الباب بالتالي أمام سلطة تشريعية وأخرى تنفيذية تعملان على وضع حد نهائي لما كان في الفترة السابقة. وبهذا المعنى تحديداً، فالانتخابات المقبلة هي حدث مفصلي بين مرحلتين (من هنا وصفها بـ"المفصلية")، فضلا عن أنها نقطة انطلاق لاعادة بناء الدولة وتحطيم ما بني من سدود بين رئاسة دولة "مفرغة " بالقوة لشهور وحكومة "مستقالة" بالاستنكاف عن العمل لعامين ومجلس نواب مقفل من دون سبب أو حجة مقنعة الخ..

واذاً، فلا منطق ولا مبرر للمطالبة بـ"الشراكة" في أية حكومة تشكل بعد الانتخابات، ولا للدعوة الى تكريس "الثلث المعطل" فيها الذي هو بدعة، فضلاً عن أنه اجراء مرحلي، بغض النظر عن النتائج التي ستسفر عنها الانتخابات.. الا اذا كان الهدف من وراء ذلك تفريغها من مضمونها الديموقراطي، ومضمون "اتفاق الدوحة" كذلك، منذ الآن.

انها "اللادولة" التي يجري طرحها من خلال تلك المطالب، والتي كانت مجال ممارسة فعلية على الأرض في زمن الاعتصام والاستقالة واقفال مجلس النواب وتفريغ موقع رئاسة الدولة، ولو أنها تقدم الى الرأي العام الآن تحت اسم دولة "الشراكة" أو دولة "الثلث الضامن" أو ما شابه من الأسماء.

فبدعة "الثلث المعطل" لم تكن في الدوحة، ولا يجوز أن تكون مستقبلاً، الا عبارة عن تسوية مؤقتة على طريق الخروج من مأزق طال أمده، فضلاً عن أنها غير مشجعة على الاطلاق.. بدليل الحكومة الحالية التي ما تزال عاجزة عن اجراء التعيينات والتشكيلات الملحة وحتى عن اقرار الموازنة العامة للدولة.

وفي السياق ذاته، فلا منطق ولا مبرر كذلك للحملة الشعواء التي بدأت، ولم تنته بعد، على ما وصف بـ"الكتلة المستقلة" المزمع انشاؤها من قبل عدد من المرشحين المستقلين لعضوية مجلس النواب. تستوي في ذلك الاتهامات على أنواعها التي توجه الى هؤلاء، ان بالقول إنهم "أعضاء غير متفرغين" في فريق 14 آذار، أو إنهم "من دون لون ولا رائحة"، أو أخيراً إنهم مجرد "أحصنة طروادة" للمشروع الأميركي للشرق الأوسط الكبير.

اذ كيف يستقيم لأحد، أياً كان انتماؤه أو مستوى ادراكه، أن يحول دون خيار شخص ما في أن يكون غير منحاز الى هذا الفريق أو ذاك ـ أي أن يكون مستقلاً ـ في مستنقع الاستقطاب شبه الكامل للرأي العام في لبنان… وأن يكون تصرفه هذا بدعوى حماية الديموقراطية والحريات السياسية العامة ؟!.

ذلك أن هذا الاستقطاب الحاد، السياسي منه والطائفي والمذهبي والجهوي، لم يعرفه لبنان من قبل ولم يشهد مثيلاً له على مر تاريخه بالرغم من أنه ما زال كما كان على الدوام بلداً تعددياً لجهة التنوع الطائفي والمذهبي والسياسي. واذا لم يكن هذا الوضع الاستثنائي، والبعض يقول الشاذ، في تاريخ لبنان الحديث مدعاة للتفكير بقوة ثالثة تكسر الاستقطاب وتضع حدا للاستثناء، فمتى يكون تفكير كهذا؟!. ثم هل من حق أحد أن يرمي من يفعل ذلك بحجر؟!.

لكنها "الانتخابات اللبنانية، يا عزيزي".. حتى لا نقول "يا غبي" اقتباساً للشعار الذي أطلقه المرشح لرئاسة الولايات المتحدة بيل كلينتون في تسعينات القرن الماضي: "انه الاقتصاد، يا غبي".

أما عندما يتعلق الأمر بـ"التفلت الأمني"، مباشرة بعد انتهاء التظاهرة الشعبية الحاشدة في ذكرى اغتيال الشهيد رفيق الحريري، والذي بدأ يتنقل بعد ذلك من منطقة الى أخرى، فلا شك في أن المشهد العام يصبح أكثر اكتمالاً ووضوحاً.

فليس ما يقلق اللبنانيين أكثر من غياب الأمن، أو حتى اهتزازه في منطقة من المناطق.
واذاً، ليس ما يرسم علامات استفهام حول اجراء الانتخابات، أو حول الترشيحات والتحالفات وتالياً النتائج التي تتمخض عنها، أكثر من هذا الرسام البارع.

وبعد ذلك، فليس ما يطرح الأسئلة السابقة نفسها حول "الدولة" أو "اللادولة"، وحول ارتباط الوضع في لبنان بما يحدث ـ أو يمكن أن يحدث ـ في سياسات المنطقة من ايران الى سوريا الى فلسطين، أكثر من صفارة / بندقية "شرطي المرور" وهو يقوم بمهمته عند تقاطع الطرق.. في لبنان!.
"انها الانتخابات، يا عزيزي".

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل