من ينظر الى لبنان خلال أشهر هذا الصيف بداية من شهر أيار يعجب من التناقض العجيب في مظاهر الحياة وانخراط اللبنانيين في مختلف جوانبها.
الاحتفالات الفنية والثقافية كانت متعددة ويمكن القول إن جهود لجنة مهرجانات بعلبك أثمرت حفاظاً على استمراريتها ولو بانتقال المكان الى موقع له مواصفات وتاريخ جذاب. ومهرجانات بيت الدين تنوعت ووفرت للبنانيين فرص الاستمتاع بأنواع مختلفة من الالوان الفنية. ومهرجانات جبيل تغتني سنة بعد سنة، وشهدنا مهرجانات مختصرة وان غنية بالمشاركين فيها، في الزوق والبترون وفي اهدن التي استقطبت مهرجاناتها آلاف المشاهدين على رغم بعد المسافة، علماً بان حسن الضيافة والطبيعة الغناء تعوضان عناء الرحلة بالسيارة من بيروت. ولا ننس الاحتفالات التي وفرت المتعة والتنوع في وسط بيروت.
تحية الى جميع المساهمين في الاصرار على إغناء الحياة بالفرح الضروري لاستمرار التفاؤل بأن هذا البلد يرفض الموت على رغم عجز سياسيه عن اعطاء فرص احيائه واغنائه.
في مقابل الفرح وكأننا على كوكب آخر، شهدنا ولا نزال تشنجات سياسية وتدفقاً لمئات الآلاف من المهجرين من سوريا بسبب الحرب المستمرة في انحائها المختلفة، كما واجهنا بربرية انفجارين في الضاحية الجنوبية وفي طرابلس وبدأ اللبنانيون يتقوقعون في مناطقهم ويعتبرون ان التقوقع قد يؤمن مقداراً من السلام والاطمئنان.
هذه الصورة المتناقضة ما بين الراغبين في الحياة والفرح والعاملين على زرع الخوف والموت في نفوس اللبنانيين، أضافت الى معالم التردي الاقتصادي والمالي وضيق فرص العمل مخاوف على المستقبل. فليست ثمة مؤشرات لاستعادة الطاقم السياسي مسؤولية تسيير شؤون البلد وتيسير معيشة اللبنانيين. ولا شك، بحسب دروس التاريخ القديم والحديث، في ان هذا الوضع لا يمكن ان يستمر من دون تفجر المطالب الحياتية، ولا نعني بها المطالب المادية وفرص العمل فحسب، بل في المقام الاول الاطمئنان الى ان المسؤولين عن تسيير شؤون البلد، وهم مددوا لانفسهم فترة المسؤولية 15 شهراً منذ انقضاء زمن اجراء انتخابات بموجب قانون جديد، أكثر صوابية في تمكين اللبنانيين من الادلاء بأصواتهم بحرية ومن دون الشعور بأنهم قطيع من الغنم.
مستوى الحياة، الذي يتشكل من الكفاية المادية والاطمئنان النفسي الى المستقبل، يعتمد على حجم الدخل القومي المتحقق، أي كميات المنتجات الاستهلاكية والاستثمارات المتحققة في رفع الكفاية الانتاجية وتنوعها كما على مؤشرات توزيع الدخل بحيث لا تحظى اقلية بغالبية الخيرات.
ماذا نجد على صعيد الدخل القومي وتوزيعه؟
انخفاض مستمر في معدلات النمو، من 8,5 في المئة ما بين 2007 و2010 الى 2 في المئة عام 2011، و1,5 في المئة عام 2013 وربما دونما نمو في 2014. والنمو في السنتين السابقتين لا يوفر أي تقدم لانه لا يوازي نسبة تزايد السكان.
انكفاء في الاستثمارات المباشرة الخارجية، وغالبيتها كانت تتوافر من المواطنين العرب بنسبة 72 في المئة ما بين 2010 و2013، وهذا الامر يعني بالتأكيد انحسار الاستثمار في المصانع الجديدة، والمنشآت السياحية والاستشفائية وفي المشاريع العقارية، وجميع هذه النشاطات لها تأثير على زيادة معدل نمو الدخل القومي، وعلى ارتفاع ما يسمى رأس المال التجهيزي في البلد، والذي يعتبر من أهم أسس نجاح اي بلد في تحقيق معدلات نمو واعدة.
كيف لنا ان نحقق معدلات استثمار واعدة ومواطنو الدول الخليجية الغنية لا يستطيعون زيارة لبنان مع الاطمئنان
الى انهم لن يتعرضوا لعمليات خطف أو تهديد أو وعيد؟ وكيف لنا ان يرتفع عدد السياح وقد تناقص بنسبة 20 في المئة عن العام السابق – والزوار من غير اللبنانيين منحصرون بالعراقيين والاردنيين وعدد غير قليل من السوريين الميسورين، علماً بأن تدفق المواطنين السوريين يفرض على البلد اعباء اجتماعية وانسانية لا بد من تأمين الحد الادنى منها اذا كان لنا ان نعتبر اننا بلد حضاري… وهذا وصف بات معرضاً للتشكيك.
ولنعط مثلاً عن الضغوط الاضافية. عدد الطلاب السوريين في المدارس الرسمية اللبنانية بلغ 50 الفاً عام 2013، ويرجح ان يبلغ، في حال استمرار الحرب في سوريا، 250 الفاً في 2014. وربما من المفيد التذكير بأن عدد الطلاب اللبنانيين في المدارس الرسمية لا يتجاوز الـ600 الف، ونحن نتحدث عن المدارس الابتدائية والثانوية وحدها.
وتفيد الدراسات الميدانية للمؤسسات المتخصصة بقياس الاستهلاك والاسعار ان الاستهلاك صار يوازي نسبة 70 في المئة من مجمل الدخل القومي القائم، وهذه النسبة بالغة الارتفاع لان الاستهلاك لا يساهم في تعزيز فرص النمو. وبعض الارتفاع يعود بنسبة 15 في المئة على الاقل الى كفاية حاجات المهجرين وذلك في الحدود الدنيا من الكفاية.
وكيف لنا ان نعزز النمو ومشاريع تطوير انتاج الكهرباء وتوزيعها متوقفة ما عدا انتاج الباخرة “فاطمة غول”، ولم نستبدل المحولات المتقادمة بأي محولات جديدة، كما لم نرفع عددها منذ سنوات؟
وكيف لنا ان نعزز النمو وقطاع المياه وتوافرها لا يزال يعاني شحاً في تطوير شبكات التوزيع، ناهيك بانجاز السدود في المواقع المناسبة؟
وكيف لنا ان نعزز فرص النمو ومداخيل الدولة في تناقص، والموارد المتوافرة قبل الاستدانة بالكاد تكفي لتوفير المعاشات، والاستدانة تبلغ مستويات مرتفعة نصفها يذهب الى دعم استهلاك الكهرباء.
الصورة قائمة من دون شك، وامكان فرح اللبنانيين بالاحتفالات الفنية والثقافية سوف ينحسر في 2014 ولن نحظى بانفراج الصورة وعودة الامل الى النفوس ما لم يتحقق شرطان على الاقل:
الاول ايلاء حكومة قادرة على التخطيط والتنفيذ ولاية حقيقية، في أقرب وقت.
والثاني توقف الحرب في سوريا وبدء عمليات اعادة اعمارها. واستناداً الى الدراسات الاولية التي لا تعتبر منجزة ما دامت الحرب مستمرة، تبلغ كلفة هذه العمليات أكثر من 70 مليار دولار حتى تاريخه، واعادة بناء سوريا لن تكون الا بالانطلاق من لبنان حيث يتمركز عدد ملحوظ من رجال الاعمال السوريين. والمصارف اللبنانية السبعة العاملة في سوريا ستستعيد دورها بل سيكون دورها أكبر بكثير منه في الفترة السابقة التي اتسمت خلال السنتين المنصرمتين بتراكم الخسائر والديون الهالكة.