عقيدة العونيين
المحامي جورج ابو صعب
شهدت البشرية عبر العصور رجالا وقياديين عرفوا كيف يسيطرون على غرائز الناس بدل عقولهم وكيف يستغلون الاحقاد والانفعالات في سبيل تجييش النفوس لاهداف خاصة بهم. من هولاكو الى جنكيز خان الى هتلر الى فرنكو فموسولوني وسواهم وسواهم من من يسميهم الكاتب والسياسي الفرني الشهير دومنيك بوديس (les violeurs de foules) اي مغتصبو الجماهير.
وفي لبنان برز في زمننا هذا امتداد بشري وطبيعي لجنس هؤلاء القادة هو العماد عون الذي لم يبن عقيدة وطنية لحركته او تياره بل اكتفى بالتناقضات والاحقاد والضغائن والغرائز كي يبني عليها كلها موقعه السياسي والوطني.
فبنظرة متعمقة الى عقيدة القوات اللبنانية نجد ان القوات بنيت على فكر مسيحي مشرقي يسعى الى تكريس حرية وكرامة المسيحيين في هذا الشرق والى تجنيب المسيحيين ذهابهم مرة أخرى ضحية المسألة الشرقية (اي مسألة الاقليات).
فاستقرت على اعتبار لبنان ارض الحضارات وملتقى الاديان افضل ضمان لوجود مسيحي حر في هذه المنطقة من العالم ذات الغالبية الساحقة المسلمة. وعليه بنت القوات عقيدتها الضاربة في جذور التاريخ والجغرافيا والوجودية المسيحية كيانا وهوية ووطنا.
اما التيار العوني فبنظرة متعمقة الى عقيدة او ما يمكن تسميته فكرة العونية (هذا اذا اردنا اعتبار العونية حركة او فكرة مع انها برأينا الاولى دون الثانية) سرعان ما يتبين ما يلي:
1- ان الفكرة العونية مبنية على عقدة انتابت البعض عبر الحرب الاهلية من فريق مسيحي لبناني اولا : القوات اللبنانية – فالعونية بنت فكرتها على استغلال عقدة الاضطهاد من القوات وعقدة بعض الممارسات الشاذة لبعض العناصر القواتية خلال الحرب الاهلية مع ان ما من جيش نظامي عبر التاريخ خاض حروب عصابات الا وانهار وارتكب جنوده المجازر والبشاعات ( يكفي ان نذكر بحرب فييتنام الذي ما زال شبحها يعطب نفسيات وعقول الجنود والضباط في الجيش الاميركي) – فما بالكم
بميليشيا نشأت من لا شيء في ليلة من ليالي نيسان 1975 للدفاع عن وجود مسيحي كان مهددا عندما استقالت الدولة اللبنانية من واجب حماية ابناءها. كما ان البعض من العونيين بنوا تأييدهم للتيار العوني على قاعدة الكره التقليدي لميليشيا مسيحية يمينية "متطرفة"، مع العلم ان قسما كبيرا من مسيحيي لبنان عبر الفترات التاريخية والمناطق اعتنق المذاهب الشيوعية والاشتراكية وحتى القومية السورية والقومية العربية وسواها من مذاهب تجعل من حزب او ميليشيا كالقوات اللبنانية التي اؤتمنت على الدفاع عن مسيحيي لبنان والشرق في فترة من الفترات عدوا لدودا لهم.
والمؤسف القول ان الاسفاف لدى البعض من المؤيدين اليوم للعماد عون وصل الى حد تأييد العماد لا محبة به في الصميم بل كرها بالقوات اللبنانية لان يوما ما في الماضي منذ سنوات تعدى احدهم باسم القوات على رزق له او فرض عليه خوة معينة ( مع ان الخوات كانت الوسيلة الاساسية في ايام الحروب لتأمين المال فالسلاح للدفاع عن الوجود الحر) او صدم سيارته او وجد خليلته مع احد عناصر الميليشيا. فنام كل هؤلاء على صيمهم واحقادهم الى ان وصل المنقذ والزعيم المتشفي فانضوى تحت لوائه للاخذ بالثأر. فبسبب بعض الممارسات الفردية قرر راي عام مسيحي نسف المؤسسة المقاومة المسيحية الوحيدة التي حمته ايام الظلمة والضلام … فاين الوعي السياسي لدى هؤلاء؟
2- ان الفكرة العونية بنيت على حب اللبناني التاريخي للبذة العسكرية: ولا بأس في ذلك ونحن اول من يحترم ويجل ويقدس تلك البذة خاصة في ايامنا الحالية لانها عادت رمزا اساسيا من رموز الوطنية والكرامة والاستقلال والحرية والسيادة، خاصة في عهد الرئيس ميشال سليمان الذي نسأل الله ان يأخذ بيده لما امامه من تحديات جسام وامام جيشنا الباسل من تحديات لا تقل خطورة عن حرب نهر البارد ومكافحة الارهاب. ولكن الم يسأل العوني نفسه يوما عن سبب بقاء هذه البذة؟
ولكن ورغم اننا لا نريد نكء جراح الماضي البغيض واستحضار مرحلة سوداء من تاريخ الوطن نرجوها ان تكون ولت الى غير رجعة نجد انفسنا امام العونيين اليوم نطرح السؤال التالي: عندما انقسم الجيش اللبناني بداية الحرب الاهلية عام 1975 والتحق كل فريق من العسكريين بربعه الطائفي وانشئ جيش لبنان العربي في مقابل جيش لبنان وجيش لبنان الحر في الجنوب، من وقف لحماية اللبنانيين وخاصة المسيحيين؟
ان من وقف للدفاع عن الشرعية الدستورية حينها هي الكتائب اللبنانية ومن ثم القوات اللبنانية في كسروان وجبيل وبيروت وما كان يسمى بالشرقية والبترون وزحله وسواها وسواها من مناطق.
لكن الذاكرة العونية ضعيفة لانها مجبولة بالحقد والغرائز… وهذه هي الفكرة العونية التي لا ترى الا ما تود رؤيته ولا تحب الا من يبجلها ويقدسها دون سؤال او نقاش او حسيب.
3- والفكرة العونية بنيت على تقديس الشخص وهنا مكمن الفشل الحقيقي لتلك الفكرة: ففي حين تحولت كل المجتمعات البشرية من حب الشخص وتأليه القائد الى حب الوطن وتكريس المؤسسات اذا بالاخوان العونيين يذهبون الى القالب المندحر من التاريخ ويحاولون العودة بنا الى مجاهل البشرية. فالشخصانية ضمانة استمرارية العونية لان قوة هذا التيار من كاريزما قائدها العماد عون. وبالتالي وفي ظل الصراع العائلي على السلطة بين اقارب العماد وهو على قيد الحياة فان دلالات سقوط العونية تحمل في بذورها براعم الانشقاق والسقوط. لان الشخصانية هي القانون والذاتية هي اسلوب تفكير وما من حزب او تيار بني على الشخصانية الا وانتهى بوفاة قائده والشواهد التاريخية كثيرة من هتلر الى موسوليني الى فرانكو الى صدام حسين وسواهم.
فبعد هذه الجولة المختصرة على الفكرة العونية نرى ان العونية ليست تيارا سياسيا ولا فكرا سياسيا بل مجموعة متناقضات تسعى الى ايصال زعيمها الى سدة الرئاسة مهما كلف الامر ومهما كان الثمن. فمنطق العونيين هو عدم الاعتراف بالاخر قبل عدم الاعتراف بالرأي الاخر، وفكر العونيين هو قيادة احادية وفردية للمجموعة، وفكر العونيين هو ان يكون عكس ما تقوله القوات في كل شيء … حتى في الدين وان كفروا…