"التوافق" التخوينيّ والتعطيليّ: إما تعقيم الاستحقاق وأو تعقيم نتائجه
لماذا الانتخابات وكيف يجري اغتيال صفتها "التشريعية"؟
ما دامت الانتخابات التشريعيّة لا نفعَ لها على ما يشترطه "فقه الديموقراطية التوافقية" عند 8 آذار لا لجهة فرز أكثريّة وأقلّية، ولا لجهة تحريك تداول السلطة، ولا لجهة صون مبدأ الفصل بين السلطات، ولا لجهة حقّ النوّاب في انتخاب رئيس عليهم بكامل حريّتهم، ولا لجهة استعادة قرار الحرب والسلم في الدولة، ولا لجهة بسط حكم القانون فوق كافة أراضي الجمهوريّة، فلماذا الانتخابات إذن؟
ليست الانتخابات "مصيرية" عند 8 آذار لأنّها ليست انتخابات تشريعيّة تهدف إلى انتخاب هيئة تمثيلية وتشريعيّة، بل هي استفتاء شعبيّ "مفصليّ" لا يتميّز عن استطلاعات الرأي التي يجري الاستناد إليها لاثبات شرعية "المقاومة" إلا بالكم لا بالنوع.
والفارق أنّ الانتخابات التشريعيّة تتنافس فيها تيّارات سياسيّة تلتزم مسبقاً الاعتراف بالنتائج، سواء بالمعنى البحت (توزيع المقاعد في المجلس العتيد) أو بالمعنى العام (ما يسفر عنه هذا التوزيع الجديد على صعيد انتخاب رئاسة وهيئات المجلس العتيد، وعلى صعيد تسمية رئيس الحكومة الجديد ثم منح حكومته الثقة على أساس بيانها الوزاريّ).
أمّا "الاستفتاء الشعبيّ المقاوماتيّ" فلا تنافس فيه، ولا اعتراف مسبقاً بالنتائج، سواء بالمعنى البحت أو بالمعنى العام. هو استفتاء على مدى تعلّق "أهل المقاومة" بـ"المقاومة" لكنّه ليس استفتاء على "شرعيّة" المقاومة، لأنّ الأخيرة، وكما يقول روّادها، لا تستمدّ شرعيّتها من انتخابات بعينها، أو من قانون محدّد، أو من أيّ سلطة أو مؤسّسة وضعيّة، وإنّما هي شرعيّة بمعنى "التكليف الشرعيّ"، أي بالمعيار الأيديولوجيّ فقط لا غير.
وإذا كانت الانتخابات التشريعيّة تنافساً بين تيارات وبرامج، فإن الاستفتاء الشعبيّ وفقاً لنظرية "الديموقراطية التوافقية في حدود المجتمع المقاوم"، ليس بين شريكين في الوطن يتنافسان على خدمته أو على انتزاع تمثيل وتفويض أبنائه، وإنّما هو استفتاء يخاض ضدّ "العدوّ". لكن، العدوّ غير مسموح له المشاركة في الانتخابات، وليس في الداخل من يعلن انتسابه جهاراً إلى أي مدرسة من متفرّعات العدوّ. في الوقت نفسه، لا بدّ من اعتبار الانتخابات استفتاء يستكمل الانتصار أمام الاجتياح "العسكري" عام 2006 والاجتياح "السياسيّ" عام 2008، ولأجل ذلك لا بد من أن تسارع "الممانعة" إلى تنسيب من يخوض الانتخابات ويخالفها الرأي إلى "العدوّ"، واعتبار أنّ "عدم وضوح" الخيانة بالشكل المفضوح ليس إلا من باب "التورية" ومؤامرة تضاف على المؤامرة الأصلية.
يبقى أن قوى الممانعة تخوينية قدر ما هي توافقية. لا تمنعها تهدئة أو مصالحة من المضيّ في تخوين "الطرف الآخر"، ومع ذلك فهي تطمئننا بأنّه "تخوين أبويّ"، وبهدف الحفاظ على العيش المشترك. ثم أن مشاركة الخونة في حكومة واحدة هي لتعطيل خيانتهم ولحمايتهم من تبعاتها، ولانتشال المدمنين عليها من مخاطرها، وجلبهم شيئاً بعد شيء إلى حيث التوبة، فالصحوة.. فالبعث.
لذلك فإن "التعطيل" هو المثال الأعلى لقوى الممانعة التخوينية التوافقية. يجمع التعطيل بين ضرورات "المشاركة" بين "المجتمع المقاوم" و"المجتمع القاعد عن المقاومة" أو "المتربّص شرّاً بها"، وبين موجبات "تنقية" و"تطهير" الساحة اللبنانية من كل المضادات الحيوية التي تفرزها ضد فكرة "الممانعة".
إلا أنّ "الاستفتاء الشعبيّ المقاوماتيّ" ليس من طبيعة يمكنها أن تبيّن أرجحية من هم مع "خيارات المقاومة" ومن هم "ضد المقاومة": أوّلاً لأن الذين يتعاملون مع الاستحقاق كاستفتاء لا كانتخابات تشريعية يعتبرون أنّ كل من يخوض الانتخابات ضدّهم هو "ضدّ المقاومة" لكن ليس مصرّحاً لأحد بأن يخوض الانتخابات علنياً تحت شعار "وقف المقاومة". ثانياً لأن الرواسب الأيديولوجيّة لدى شريحة كبيرة من 14 آذار ما زالت تحول دون بلورة عنوان حاسم للبرنامج الانتخابي على أساس الرفض التام والقطع النهائيّ مع منطق المقاومة، بل إنّ قوى 14 آذار لم تتخل في أصعب المراحل عن جوهر المسعى "التوفيقيّ" مع منطق المقاومة هذا.
بيد أن المفارقة الكبرى تبقى في لجوء 8 آذار لـ"خصوصية لبنان" وفرادته سبيلاً لتسويق "فقه الديموقراطية التوافقية" كما تبثّه، ولتحصين "ثقافة المقاومة" كما تتماهى معها، هذا في حين أن الأجيال التي بلورت فكرة "خصوصية لبنان" أو فرادته أعادت ذلك إلى العلاقة العضوية بين الحفاظ على استقرار البلد الصغير المتعدّد وبين حياديّته وطبيعته المسالمة. إن مقولة "قوة لبنان في ضعفه" كانت وما زالت الشرط الأساسي لعيش "الديموقراطية التوافقية"، فإن عُطّل هذا الشرط افتقدت بدورها "الديموقراطية التوافقية" بدورها إلى علّة وجودها.
والشرط الثاني لـ"الديموقراطية التوافقية" هو الميثاق، والميثاق هذا ليس بين 18 طائفة بالمعنى "المذهبي" للكلمة، وإنما بين طائفتين، مسيحية تتعدّد كنائسَ، ومسلمة تتعدّد مذاهبَ. إن قسم جبران التويني، على بساطته، يبرز عمق هذه القاعدة الميثاقية الثنائية، التي تجد تعبيرها الدستوريّ الأمثل بعد الطائف في المناصفة الإسلامية المسيحية عند توزّع مقاعد البرلمان والحكومة.
"فقه الديموقراطية التوافقية" عند 8 آذار مناقض في الأساس لحياد لبنان، ولكون الميثاق إسلامياً مسيحياً وليس سنياً شيعياً مسيحياً، كما أنّه مناقض علناً لكون الديموقراطية التوافقية اللبنانية فرعاً من فروع الديموقراطية البرلمانية. لا عجب بعد ذلك في أن تكون "التوافقية" مطبوعة بـ"التخوين" من أول إلى آخر، وبإن يكون "التوافق" التهويليّ والتعطيليّ والتنكيليّ يقترح على "الطرف الآخر" إما تعقيم الانتخابات مسبقاً، وإنّما تعقيم نتائجها لاحقاً.