#dfp #adsense

“المستقبل”: “الأمن الذاتي” أم تباشير..”الحكم الذاتي”؟

حجم الخط

كتب يوسف دياب في صحيفة “المستقبل”:

لا مبالغة في القول إن لبنان يعيش هذه الأيام في حكم شريعة الغاب .. الشريعة القائمة على معادلة ثابتة لا تقبل التغيير أو التبديل .. القوي يأكل فيها الضعيف. القانون فيها للأقوياء فقط، أما الضعفاء فلا مكان لهم تحت سماء هذه المنظومة، وهم أمام خيارين لا ثالث لهما الإستعباد أو الموت.

قاعدة “الأمن الذاتي” التي بدأت بإجراءات أمنية محدودة في الضاحية الجنوبية على أثر تفجير الرويس الإرهابي، وما خلّف من شهداء وجرحى وأبرياء، أخذت بالتمدد الى خارج النطاق الجغرافي للضاحية الجريحة، وأخذت أوجه تتعدى حجج حماية أهل الضاحية المنكوبين والخائفين كما أبناء طرابلس وكل اللبنانيين.. قاعدة تبدو لا حدود جغرافية لها، وهي ذاهبة الى إتساع كبير لا يتوقف عند حيّ او منطقة .. مسوغات هذا الأمن الذي يسوّق بذريعة أن لا دولة قادرة على حماية أهلنا وجمهورنا، جعلت “حزب الله” يعطي لنفسه تفويضاً غير محدود، فإجراءاته لم تعد تقتصر على ابناء الضاحية “المخنوقين” في سجنها الواسع، إنما هي آخذة بالإنفلاش الى المحيط الأبعد فالأبعد، من دون معرفة الحدود الجغرافية التي سترسو عليها هذه الدويلة في البعد الميداني، ومن دون أن يقتنع هذا الحزب، بأن أمنه وأمن بيئته وجمهوره كما أمن كل اللبنانيين مفقود، ما دامت الوكالة خارج حصرية الدولة وسلطاتها ومؤسساتها الأمنية والعسكرية.

إذا كان مفهموماً أن “حزب الله” قادر أن يبرر لنفسه بأنه يتخذ إجراءات وقائية لحماية ناسه وأهله في الضاحية من التكفيريين المزعومين، ومن إستهدافهم له خصوصاً بعد إنخراطه في الحرب السورية الى ابعد الحدود، فإنه من غير المفهوم حتى لأبناء الضاحية، أن يأخذ من ذريعة الإجراءات الأمنية وسيلة لتوسيع نطاق ليس أمنه الذاتي، إنما حكمه الذاتي الذي يتعدى بكثير مفهوم إمساكه بالقرار اللبناني في كل البلد، بمعنى آخر فإن دويلة “حزب الله” الأمنية والعسكرية التي كانت مستترة، بدأت تتظهّر شيئاً فشيئاً، وهي ترى أن وعاء الضاحية الجنوبية لم يعد يتسع لها، ولذلك فإن الحواجز الثابتة والطيارة والمتنقلة لم تعد محصورة بمداخل الضاحية الجنوبية ومعابرها المسكونة بخوف وقلق كل الواردين اليها، خوف وقلق إما من إرهابيين قد يحولونهم لا سمح الله الى أشلاء، وإما من قابضين على أمن مزعوم قد يحولونهم الى مخطوفين ورهائن لألف سبب وسبب.

إذا لم يكن هذا الواقع صحيحاً، فما هي مسوغات تمدد إجراءات أمن “حزب الله” الى الحدث والشويفات وطريق المطار السريع؟. ما هي دواعي إقامة حواحز في الأوزاعي وخلدة وصولاً الى الناعمة؟. لأي سبب يوقف الدبلوماسيين ويحتجز حرياتهم لساعات طويلة، ويتعامل معهم كمشبوهين ويحقق معهم على هذا الأساس، وهو يعلم صفاتهم وحصاناتهم، والتداعيات التي يرتبها على البلد نتيجة هذه التصرفات؟. ما هي الأسباب التي تقوده الى خطف مواطنين على طريق المطار وإعتقالهم وممارسة الإرهاب الفكري عليهم؟. من فوّض “حزب الله” مهمة حفظ الأمن في هذه المناطق، ومن أعطاه صلاحية الضابطة العدلية أو الصلاحية القضائية ليدين ويبرّئ هذا أو ذاك من المواطنين أو المقيمين على الأراضي اللبنانية؟.

أسئلة ربما لا مجال للإجابة عنها لا اليوم ولا في المدى المنظور، المشكلة تكمن في “حزب الله” الذي يريد الشيء ونقيضه، يريد الأمن لنفسه بينما يتفتح على البلد أبواب الجحيم، يريد إستقراراً لبيئته ومربعاته الأمنية دون سواها، ويشرّع الفوضى ويغطيها في كل المدن والمناطق .. يخشى الإختراق الأمني لمناطق نفوذه، في الوقت الذي يوزّع السلاح “المقاوم والممانع” من أقصى الشمال الى أقصى الجنوب. ولا يسمح لأحد أن يسأل عن وظائف هذا السلاح الفتنوي.

لا شكّ في أن مخاوف أبناء الضاحية جدية، هم مستهدفون كما كل اللبنانيين بمسلسل الإرهاب الذي بات معروف الأبوين بعد تفكيك ألغاز تفجيرَي طرابلس، والتثبت من حقيقة أنهما حضّرا في طرطوس، ونفذا في عاصمة الشمال، استكمالاً لمخطط سماحة – مملوك الذي على ما يبدو هو من يضرب في الضاحية الجنوبية كما في طرابلس، بالإستناد الى القاعدة التي أرساها مسؤولو “حزب الله” عندما دانوا جريمة طرابلس، وأعلنوا بالفم الملآن أن يد الإجرام التي نالت من طرابلس ومساجدها وأبنائها، هي نفسها التي نالت من الضاحية والأبرياء فيها.. الا أن هذا المسلسل الرهيب تستحيل مواجهته بأمن ذاتي قد يحقق هدفه لوقت محدود إذا كانت دوافعه صادقة، لكنه سيمنى بفشل ذريع في القريب العاجل، فمن استطاع اختراق أمن الضاحية في تفجيرَي بئر العبد والرويس، قادر على ابتداع وسائل تمكنه من اختراق الأمن الذاتي لاحقاً.. الحل لا يكون بمعالجة النتائج على الإطلاق إنما بمعالجة الأسباب، وليس سراً أن اسباب ما وصلنا اليه هو تغييب الدولة وتقليص دورها لصالح الدويلة .. الحل أن يقتنع “حزب الله” ولو لمرة واحدة أن أمنه وأمن كل اللبنانيين لا يكون الا بالتسليم للدولة ومؤسساتها والكف عن الرهان على مشاريع لن يحصد منها هو ولبنان كلّه الا الخراب والدمار.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل