#adsense

هاجس الانتخابات والأمن اللبناني

حجم الخط

هاجس الانتخابات والأمن اللبناني

قد يكون السؤال الأبرز الذي يطرحه المواطن اللبناني يومياً على كل من يلتقيه: "رح تصير الانتخابات أم لأ"؟ والسؤال على بساطته مؤشر لدرجة أهمية الانتخابات وأجوائها وما سيترتب عليها من مصير لبنان ومستقبله.. وقد يكون أكثر ما يثير الانتباه في هذا السؤال، هو التفكير بالأمن الانتخابي، خصوصاً بعدما "حدّثنا" الجنرال السابق ميشال عون عن "خبرته" في هذا الموضوع، مع أنه ـ على قدر ما نعلم ـ لا يملك أدنى خبرة إذ لم تنظّم انتخابات نيابية في عهده المغتصب، وما هو أدهى من ذلك دوره التاريخي في تعطيل انتخابات الرئاسة وقطع الطريق على وصول النواب الى المقرّ الموقت للمجلس يومها في قصر منصور في منطقة المتحف، وقدرته التي لم نشاهدها في تأمين انتخاب رئيس للبلاد خلال فترة الستة أشهر الانتقالية، فقاد البلاد إلى حربين مدمرتين!!

و"حدّثنا" أيضاً عن "خبرته" في "عديد" الجيش وإمكاناته وعن قدرات القوى الأمنية، وكلّ هذا قد تبدّل وطرأ عليه تغيير جذري بعد اتفاق الطائف، ولكن ما حيلة اللبنانيين والجنرال له في كل القضايا الصغرى والكبرى وكل التفاصيل إلمام "كوني"، وله في كل عرس لبناني "خبرة" و"خابور" جاهز لإفساد الأمور!!

والسؤال عن الانتخابات، وإن كانت ستحدث ليس مستجداً، على اعتبار أن التهويل والترهيب مستمرّان منذ العام 2005 وليس منذ 7 أيار الأسود كما يردد البعض خطأً، في العام 2005 كان الرهان على نسف الانتخابات من أساسها وهذا واحد من أبرز أسباب اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري بعدما أقفلت السبل دون إسقاطه فيها.

وبعد اغتياله، وعندما أدرك الرافضون للانتخابات يومها حرصاً على حصة الوصاية في المجلس القديم، علت الأصوات تطالب بتأجيل الانتخابات، وعندما تأكدوا من استحالة الأمر تحت وطأة الضغط الدولي، كان التمسك بقانون العام 2000 ليتمكن كثيرون من العودة إلى كراسيهم النيابية والرئاسيّة بعد ترتيب صفقة العودة العونية الشهيرة.

أما اليوم فالذين ما زالوا يراهنون على خوف اللبنانيين اثر أحداث 7 أيار الأسود بعدما أصيبوا بخيبة كبرى في 14 شباط، تأتيهم الصدمة الثانية في عطلة نهاية هذا الأسبوع عندما يتأكدون من أن رهان اللبنانيين منذ 14 آذار 2005 على قيام المحكمة الدولية وعدم يأسهم من المطالبة بها، قد أصبح حقيقة، فسيتأكدون مجدداً، من أن رهان اللبنانيين على مجلس نيابي صافي الهوية لا حصة فيه لأحد سوى حرية واستقلال وسيادة لبنان، خصوصاً أن جماعة العصي والجنازير والسكاكين هذه المرة سيفقدون "قدراتهم التخويفيّة التعطيليّة" و"زعرناتهم" في شوارع العاصمة والمناطق الحساسة لأنهم سيكونون مشغولين بممارسة واجبهم "الوطني" الانتخابي، وهذا وحده كفيل بحماية الأمن اللبناني من أية مواجهات يراهن البعض على التهديد بها!!

ربما لم يحسب الذين أصرّوا في مفاوضات "الدوحة" على إجراء الانتخابات في يوم واحد تحت وطأة هاجس اكتساح تيار المستقبل لمقاعد الشمال جميعها في انتخابات الـ 2005 فاعتبروه رداً على انتخابات جبيل وكسروان أو رد فعل على انتخابات البقاع، فأرادوا قطع الطريق على "الثأر" الانتخابي في محافظة لمحافظة أخرى، لم تتطابق حساباتهم مع واقع المشهد الذي أرعبهم في 14 شباط بأن ولا "سبعة آلاف أيار" جديد سيعيد اللبنانيين إلى دائرة الخوف. الآن بات إجراء الانتخابات على مدى يومين حاجة ملحة لينقذ الجنرال ما تبقىّ من ماء وجهه ـ إن كان فيه من ماء الحياة والحياء قطرة بعد ـ والذين أصرّوا على قانون انتخابات العام 1960 من دون أن يأبهوا للتعديلات التي كان يجب إدخالها عليه حرصاً على أحقيّة المسيحيين باختيار نوابهم من مناطق بعينها، وأصروا يومها حشراً لسعد الحريري ولسمير جعجع ولوليد جنبلاط تحديداً، لم تتطابق أوهامهم مع صورة الواقع التي أضحت كابوساً بعد 14 شباط، فانتهى المشهد على خيبة ميشال عون الذي يستجدي تمثيلاً مسيحياً في الجنوب اللبناني!!

هل ستجري الانتخابات، في ظل الارتباك الأمني المفتعل؟ ببساطة، نعم ستجري هذه الانتخابات، وبمقارنة بسيطة مع واقع الأمن اللبناني في حزيران وتموز العام 2005، سنجد أن وضع لبنان أفضل بكثير اليوم، ومقارنة بالانفجارات الليلية المتنقلة في أيار العام 2005 واغتيالاته ابتداء من 2 حزيران يوم افتتحت مقتلتها باغتيال الشهيد سمير قصير، فلبنان اليوم أفضل بكثير، على الرغم من استمرار وتواتر أخبار عن قيادات مستهدفة.

أما الذين يهللون اليوم للقاء "جفّورة" ـ ما غيرو ـ والذي كانوا يصوّرونه على أنه شيطان ثورة الأرز ويطالبون بطرد سفير أميركا يومها في لبنان "جيفري فيلتمان"، وينتظرون اليوم بفارغ الصبر لقاء واشنطن مع سفير الممانعة، فنقول لهم: "رهانكم" خاطىء هذه المرة أيضاً، ومهما صوّرتم لأنفسكم وسوقتم لفكرة هرولة أميركا والعالم وكبرى الدول العربية للانضمام إلى المحور السوري ـ الإيراني، فأنتم كالعادة تخترعون وهماً جديداً وتصدّقونه، وستصابون مجدداً بخيبة أمل، والحقيقة الوحيدة التي بات عليكم تصديقها لها وجهان، شعبي ـ طبيعي : فالتاريخ حركته إلى الأمام لا إلى الوراء، والشعبي أن اللبنانيين تجاوزوا "وهم" الخوف الذي سيطر عليهم لمدة ثلاثين عاماً.

والثاني، دولي: فبمعزل عن التقارب والتصالح أو التباعد والتوتر الإقليمي، ستجري الانتخابات في موعدها، لأن دول العالم وإن تأخرت كثيراً للاعتراف بنا وطناً سيداً مستقلاً، ولسبب بسيط، فقد كان علينا أن نعترف نحن بأنفسنا أولاً وبوطننا، ليتأكد العالم أننا نستحق أن يدعم استقلالنا وأن يمنع عرقلة مسيرة الديموقراطية والحرية والسيادة والاستقلال، وبعد 7 حزيران سنكسر جرارٍ كثيرة، عندما يرجع العائدون من حيث أتوا "وقفاهم يقمّر عيش".

المصدر:
الشرق

خبر عاجل