المطالبون بتشكيل حكومة "وحدة وطنية" بعد الانتخابات المقبلة
هل يضمنون الاتفاق على برنامج عمل واحد بين 8 و14 آذار ؟
قال مرجع ديني "لو سلمنا جدلا بوجوب تشكيل حكومة وحدة وطنية بعد الانتخابات النيابية المقبلة كما يطالب اركان قوى 8 آذار لان لبنان لا يُحكم من فريق واحد، ولا يجوز بالتالي اعتبار الحكومة الحالية نموذجا يحتذى، فكيف ينبغي التوصل الى اتفاق على تشكيلها اذا لم يتم الاتفاق مسبقا على برنامج عملها وهو ما تقضي به الاصول في كل دولة ديموقراطية تفرض عليها الظروف السياسية والامنية والاقتصادية تشكيل مثل هذه الحكومة؟".
ان اللبنانيين، كما هو معلوم، منقسمون قوتين كبيرتين: 8 و14 آذار. واذا كان لا بد من جمع ممثلين عنهما في حكومة واحدة، فانه ينبغي جمعهما اولا حول قواسم مشتركة توصلا الى وضع بيان وزاري لا يكون سببا للخلاف عند تنفيذ مضمونه، وهذا ليس بالامر السهل. وكلتا القوتين تؤمنان بخط سياسي يتعارض والخط الآخر. فلو سبق تشكيل الحكومة الحالية المسماة "حكومة وحدة وطنية" اتفاق على برنامج عملها، لما كانت تشكلت، ولما كانت تحولت بسبب الخلاف على كثير من المواضيع "حكومة تعطيل الاعمال" وليس حتى حكومة تصريف اعمال. وها ان ما يعرقل تشكيل حكومة وحدة وطنية او ائتلافية في اسرائيل هو اختلاف نظرة الاحزاب المطلوب ان تشارك فيها الى موضوع السلام مع العرب والفلسطينيين. فبعضها يريد سلاما بعد تقديم تنازلات متبادلة، وان تقوم دولة فلسطينية الى جانب الدولة العبرية وبعضها الآخر يرفض ذلك. وهذا قد يحول دون جمع هذه الاحزاب في حكومة واحدة الا اذا تم التوصل الى اتفاق حول هذا الموضوع. والامر نفسه يواجه الكتلتين الكبيرتين في لبنان:
كتلة نواب 8 آذار وكتلة نواب 14 آذار، فما لم يتم التوصل الى اتفاق بينهما على برنامج عمل واحد لحكومة الوحدة الوطنية او الحكومة الائتلافية، فمن الصعب التوصل الى اتفاق على تشكيلها، الا اذا كان مطلوبا ان تكون حكومة تصريف اعمال وتأجيل اقرار اي مشروع او موضوع مهم لا يصير توافق على اقراره، وهذا معناه شل عمل الدولة والمؤسسات، وتعطيل مصالح الناس لا لشيء الا من اجل الادعاء ان لبنان تحكمه حكومة "وحدة وطنية" كاذبة، وهذا ما جعل البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير يصفها غير مرة بعربة يشد بها حصانان واحد الى الوراء وواحد الى الامام، وكل عمل تريد الحكومة القيام به ينبري من في داخلها الى مقاومته، فتعذر جراء ذلك تعيين النصف الباقي من اعضاء المجلس الدستوري رغم اهمية تعيينهم قبل الانتخابات النيابية، وكذلك تعيين المدير العام لوزارة الداخلية، وغيرهما من التعيينات في اسلاك قضائية وادارية وديبلوماسية. حتى الخلاف على موازنة مجلس الجنوب يكاد يطيح موازنة عام 2009 برمتها لتعود عملية الانفاق تتم على القاعدة الاثني عشرية التي اتبعتها الدولة خلال السنوات الاربع الاخيرة لاسباب شتى.
برنامج العمل
والسؤال المطروح هو: هل في امكان قوى 8 و14 آذار التوصل الى اتفاق على برنامج عمل واحد لحكومة ائتلافية، بحيث تكون حكومة متجانسة ومنتجة وقابلة للحياة، ولا تنفجر من الداخل بسبب الخلاف على كل موضوع اساسي؟
ومن هذه المواضيع: سلاح "حزب الله"، الاستراتيجية الدفاعية، قرار الحرب والسلم، السلام مع اسرائيل وهل يتحقق بالتفاوض ام بالمقاومة؟ العلاقات اللبنانية – السورية والاسس التي ينبغي ان تبنى عليها، ومن هذه الاسس عدم تدخل اي دولة في شؤون الدولة الاخرى واحترام سيادة واستقلال كل منهما، ترسيم الحدود ولاسيما في مزارع شبعا تمهيدا لتحريرها من الاحتلال الاسرائيلي، ازالة السلاح الفلسطيني الموجود خارج المخيمات، بت موضوع اللبنانيين المعتقلين في السجون السورية، استجابة طلبات المحكمة ذات الطابع الدولي بموجب الاتفاق الاساسي الموضوع لها، ومواصلة تأمين المبالغ المالية المطلوبة بنسبة مساهمة لبنان في تمويل نفقات المحكمة، اقرار المشاريع الاصلاحية التي يتطلبها مؤتمر باريس 3، انشاء وزارة تخطيط تتولى شؤون الصناديق والمجالس والمهمات المنوطة بها، تطبيق المادة 65 من الدستور في ما يتعلق بالمواضيع التي يحتاج اقرارها الى اكثرية الحضور، وتلك التي يتطلب اقرارها تصويت ثلثي اعضاء الحكومة اذا تعذر اتخاذها بالتوافق، لانه لا يجوز ان تبقى هذه المواضيع معلقة وبدون بت ما دام الاتفاق عليها متعذرا…
وفي حال تم التوصل الى اتفاق بين قوى 8 و14 آذار على هذه المواضيع وغيرها، يصبح في الامكان تشكيل حكومة وحدة وطنية او ائتلافية، والا على من يؤمن الاكثرية النيابية المطلوبة تشكيل حكومة من هذه الاكثرية تتحمل مسؤولية اعمالها امام مجلس النواب والشعب، وتكون الاقلية المعارضة هي التي تحاسب وتسائل وتراقب، وهذا ما قاله الرئيس السويسري عندما زار لبنان، ثم عاود الكرة لـ"النهار" الممثل الاعلى للسياسة الخارجية والامن المشترك للاتحاد الاوروبي خافيير سولانا.
ومن جهة اخرى، فان حكومة وحدة وطنية، اذا جاز تأليفها في ظروف استثنائية، فلا يجوز تأليفها في ظروف سياسية عادية، اذ ان هذه الحكومة التي تضم موالين ومعارضين هي مجلس نيابي مصغر يختصر دور مجلس النواب بكامل اعضائه ولا يعود ثمة من يحاسب ولا من يراقب ولا حتى من يحجب الثقة عنها مهما فعلت!
واذا كان المقصود بتشكيل حكومة الوحدة الوطنية ان يكون للمعارضة الثلث المعطل فيها، فان الخلاف سوف يشتد عند تشكيلها من اجل الحصول على هذا الثلث الامر الذي يعقد عملية التشكيل ويدخل البلاد في ازمة وزارية قد يستعصي حلها فتتحول ازمة حكم.
وبالعودة الى تاريخ تشكيل حكومات وحدة وطنية او ائتلافية، حتى في زمن الوصاية السورية على لبنان، فان تشكيلها كان يتعثر ليس للخلاف على البرامج بل على اختيار الوزراء والحقائب فيضطر رئيس الجمهورية احيانا الى تشكيل حكومة من غير السياسيين، وهذا ما قد يواجهه الرئيس ميشال سليمان بعد الانتخابات النيابية المقبلة اذا جاءت نتائجها متساوية تقريبا بين 8 و14 آذار ولم يكن اي منهما يملك اكثرية 65 نائبا كي يتصرف وحده. وهنا لا بد لرئيس الجمهورية وللرئيس المكلف من الاستعانة بالنواب المستقلين او الوسطيين لتأمين الاكثرية للحكومة المطلوب تشكيلها، وهو ما يعطي وجود هؤلاء النواب في مجلس النواب العتيد الدور الحاسم في حل الازمات.