في زمن قديم كان البشر بشراً، كان بإمكانهم أن يدمعوا لموت كلب ضال في أحد الشوارع الفرعية، كان بإمكانهم أن يبكوا لعام، متضامنين مع ابن جيرانهم الذي قضى نحبه إثر مرض عضال، أو على الأقل يرسموا ملامح الحزن ما إن يأتيهم نبأ حزين، في ذالك الزمان كان الحزن حزنا، كان اللبنانيّون لبنانيين أصليّين.
أما في هذا الزمن، فلم يعد لأي شيء هوية، فقط الكثير من الدموع التي تشبه وجه الهواء، أحياناً لا يشعر بها المرء، ولكنها ضرورية قليلاً من أجل نفسه لا من أجل حزنه.
لسنا في زمن التتر الذين يأكلون الأخصر واليابس، ولكن نحن أمام بشر يهلّلون لمن قتل أبناء وطنهم، وهجّرهم، واستباح أمنهم ووطنهم، نحن أمام مجموعة بشر تعشق جلّاد وطنها، وتفرح بسقوط الضحية لتأخذ حصتها.
لوهلة أشعر أنّ لبنان في لعنة ليست كلعنات جهنم، بل كلعنة الساحرة التي حولت الأميرة النائمة إلى قطعة خشبية، بالطبع أوطاننا لا تحتاج لقبلة ساحرة حتى تستيقظ، كل ما تحتاجه هو رغبة الأميرة نفسها بالإستيقاظ.
نحن أمام مجموعة بشر، حزنهم فقد هويتهم، ولم تعد لديهم حاسة الشعور بالوطنية، هرب ضميرهم، سكنت المصالح عقولهم، تنكّروا لشهدائهم، باعوا وطنهم على رصيف أسواق الحميديّة. هؤلاء أشباه البشر، مُسحت ذاكرتهم ونسَووا أن هذا النظام المجرم جلب الويلات للبنان.
الأطفال، النساء، الكهول، الشباب، الشيوخ، الزعماء، جميعهم هدفاً، ومحلَّل قتلهم لدى النظام البعثي المجرم. وكما في لبنان، كذلك في سوريا، جميع الأحرار هم مشروع شهداء، لانّهم فقط أرادوا العيش بكرامة.
نحن الآن في الغوطة، هناك مجزرة حصلت، شهداؤها لم يكن عليهم بقع كبيرة أو صغيرة من الدماء كما تعوّدنا، بل كان حولهم الكثير من الصمت، طفل لم يتجاوز العام كان ساكتاً، جسده الصغير يصدر صفيراً عجيباً، لعل رئتاه تنتحب والكاميرا ترصد نزاعه الأخير، بينما عيونه تخبرنا بأنه لم يفهم بعد كيف يموت بهذه البساطة.
قنواتنا الفضائية شعرت بخيبة أمل عندما نقلت صوراً لجثث متصلبة من دون دماء، ربما خشيت أن تؤثر تلك الصور على مصداقيتها، لم يدركوا بعد أن النظام البعثي من براءة اختراعاته القتل ليس بدم بارد وحسب، بل بصمت.
الغوطة ليست كأي مجزرة سابقة، فكل المجازر تكحّلت بالدماء، أما الغوطة فقد تكحّلت بالصمت والعار، والقهر، بينما فقد الحزن في حضرتها هيبته تماماً، آن الأوان أن تنتفض أرواح شهداء لبنان وأرواح أطفال الغوطة، آن الأوان أن تستيقظ الأميرة من نومها العميق.

عودوا الى رشدكم بربكم
ﻻ حياة لمن تنادي
اختاروا جلاديهم بدل الضحية …… لهم لبنانهم ولنا لبناننا