كتبت رلى موفق في صحيفة “اللواء” الكويتية:
حين خرج الرئيس الأميركي باراك أوباما نهاية الأسبوع الماضي ليعلن أنه يريد موافقة الكونغرس الأميركي لتوجيه ضربة إلى النظام السوري لاستخدامه السلاح الكيميائي ضد شعبه بعدما كانت قد قُرعت طبول الحرب وضربت المواقيت، تنفست سوريا وحلفاؤها إيران و«حزب الله» وحتى روسيا الصعداء. وبدا أن هذا المحور قد سجل انتصاراً سياسياً بفعل تخاذل أوباما عن تنفيذٍ وشيك لضربته الموعودة، واستعاد الروح. لكن المشهد من وراء البحار يختلف كلياً.
ففي المعلومات المتوافرة من واشنطن، ثمة قراءة مختلفة مفادها أن أوباما كان بالفعل يريد تنفيذ «ضربة محدودة تجميلية» للنظام السوري، لكنه مع الاصوات الداخلية التي طالبته بضرورة الحصول على موافقة الكونغرس رغم ضغوط الرأي العام عليه للسير في هذا الاتجاه وقع في الفخ وأدخل نفسه في المأزق، بحيث أن النقاش الدائر الآن في الاجتماعات العلنية والسرية مع أعضاء اللجان و«النواب المفاتيح» ذات الثقل في الكونغرس، تجاوزت مفهوم «الضربة التجميلية» التي كانت برأي مراقبين أميركيين لا تغيّر كثيراً في المشهد السوري، بل تقوّي النظام وتضر بمصلحة أميركا والمعارضة السورية وحلفائها. انتقل النقاش إلى مستوى آخر يتمثل بالبحث المعمق في استراتيجية متكاملة تأخذ في الاعتبار الأهداف والمخاطر والنتائج.
في أولى نتائج البحث أن أي ضربة عسكرية عليها أن تمهد الطريق إلى إضعاف فعلي للنظام السوري مترافقاً مع تحديد واضح للجهات السورية الحليفة لواشنطن ودعمها في اتجاه الوصول إلى إرساء مسار للديموقراطية في سوريا. من هنا كان المشروع الذي أقرته لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ بنسبة 70 في المئة من الاصوات تجيز تفويضاً لأوباما لمدة شهرين قابلة للتمديد إلى ثلاثة أشهر. التفويض استند إلى تجربة البوسنة حيث آلت ضربات الناتو على مدى شهرين إلى إسقاط سلوبودان ميلوسوفيتش. وسيكون تصويت لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس متشدداً أكثر في إطار مزيد من ممارسة الضغط على إدارة أوباما وتحميله المسؤولية في أن يؤول التفويض الذي سيُمنح له إلى نتائج واضحة وملموسة في خدمة مصالح الولايات المتحدة الأميركية في المنطقة وحماية أمنها القومي والحفاظ على قيمها الإنسانية.
النقاشات وجلسات الاستماع الجارية في «الكابتل هيل» هي صحية جداً يقول متابعون لها في واشنطن. فحصول أوباما على الموافقة المرتقبة للكونغرس ومجلس الشيوخ تدفعه وفريق عمله إلى رسم ملامح الاستراتيجية المتكاملة في ضوء الاسئلة التي طرحت عليه ولا تزال عن أهداف الضربة ومدى تضرر النظام وهل ستسهم في إضعافه ومن ثم إسقاطه. ومن هم حلفاء واشنطن من المعارضة وكيف سيتم دعمهم وإلى ماذا يحتاجون. وماذا عن الجماعات الاسلامية المتشددة؟ والاهم ماذا عن مستقبل سوريا السياسي؟ أسئلة استدعت إلى تكثيف الحركة، حيث تتحدث المعلومات المتوافرة عن أن كلا من رئيس أركان الجيش السوري الحر سليم إدريس ورئيس الائتلاف الوطني أحمد الجربا سيحمل إلى الكونغرس، الذي يعاود عمله يوم الاثنين، خريطة عمل. إدريس سيرسم خارطة طريق عسكرية لما يمكن ان تحققه قواته على الأرض في ضوء الضربات الجوية والبحرية على مواقع النظام، والمدى الزمني، كما سيكون عليه أن يُجيب على أسئلة عن واقع الجيش النظامي ومدى إمكانية حدوث مزيد من الانشقاقات بعد بدء الضربات وما هي الخطط الموضوعة من أجل تقويض الجماعات المتشددة سواء من «جبهة النصرة» والتنظيمات الأخرى التي تدور في فلك «تنظيم القاعدة». أما الجربا، فإنه سيحمل معه خارطة طريق سياسية حول النظام والدستور الجديدين ومستقبل الاقليات في التركيبة السياسية وكيفية صون الحريات وضمان المسار الديموقراطي في سوريا الغد.
في المعطيات أن أوباما سيحظى على الأرجح الثلاثاء المقبل في العاشر من الشهر الجاري على موافقة مجلس النواب والشيوخ، وسيستفيد من الوقت الممنوح له على الفور، لكن الضربات العسكرية لن تبدأ قبل يوم الخميس لمصادفة الأربعاء ذكرى الحادي عشر من أيلول، وستمتد لفترات طويلة وفق الخطط العسكرية وبنوك الأهداف والحاجة إلى تصحيح الأخطاء التي قد تقع في العملية العسكرية، وما قد يتأتى منها من تطورات، إذ أن الاستراتيجية التي يطالب بها الكونغرس أوباما وإدارته العسكرية تضم خططاً عن كيفية الرد إذا ما تطورت المواجهة ودخلت إيران بواسطة أجنحتها العسكرية من «حزب الله» والقوات العراقية الموالية لها خط المواجهة، إذ من المستبعد أن تدخل إيران في الحرب مباشرة، في وقت تجري في الكونغرس نقاشات واسعة عن إمكانات تشكيل حلفاء الولايات المتحدة والمعارضة السورية لقوات عربية يمكن أن تنتشر في المناطق الآمنة وتلعب دوراً في حفظ الأمن والسلام. أما روسيا، فلا تبدو في مشهد المواجهة والتدخل العسكري. وبات الحديث عن «جنيف 2» يتناول الخطط والبرامج لمساعدة سوريا ما بعد بشار الأسد.