إذاً, الشارع اللبناني يُجمع على أن هناك ضربة متوقعة وإن بطريقة تختلف فيها الآراء بين المعسكرين المؤيدين لقوى الرابع عشر من آذار والثامن منه وتحديداً حول نوعيّة الضربة وتأثيرها. ففي الوقت الذي يقول فيه مؤيدو المعسكر الأول أنه رغم القرار المتأخر في موعد الضربة لكنها سوف تكون ضربة محدودة بشكل لا تؤثر على الوضع في المنطقة وبالأخص لبنان المتأثر أصلاً بكل ما يجري حوله، إلاّ أن المعسكر الثاني بدأ يستعد فعلاً وبشكل جدي للحظة التي يُطلق فيها الصاروخ الأول باتجاه القواعد العسكرية البالغة الأهمية التابعة للنظام السوري.
على عكس بقيّة المناطق اللبنانية التي تعيش بشكل شبه طبيعي رغم الانفجارين الأخيرين اللذين وقعا في طرابلس، تشهد المناطق التي يُسيطر عليها “حزب الله” نوعاً من الحذر أو الهدوء لم تشهده منذ فترة طويلة، فلا ضجيج للناس يُسمع ولا إشكالات جانبية تقع، الأنفاس محبوسة تترقب ساعة الصفر وإن سألت الضاحية الجنوبية عن هذا الصمت المُخيف تُجيبك أحياؤها وزواريبها بأن بعض الشباب التحق أمس الأول بمراكزه والبعض الآخر توزّع على جبهات القتال بين الجنوب والبقاع وسوريا، والمستغرب أيضاً أن بعض الشُبان وإن بأعداد قليلة لا يزالون يتوزعون عند أطراف الضاحية، وهؤلاء برأي بعض الأهالي، ينتمون إلى سرايا المقاومة ومهمتهم تأمين ظهر الحزب في الداخل.
الرواية التي قصّها “حزب الله” على جماعاته يوم اتخذ قرار التدخل في القصير، ها هو اليوم يُعيدها على مسامعهم مع تبدّل واضح في العنوان من “حماية المقدّسات الشيعية في سوريا إلى حماية الشيعة أنفسهم في كل مكان”. ومن هنا فقد تركّزت الدعوات التي صدرت عن قيادة التعبئة العامة في “حزب الله” منذ أيام قليلة لجميع عناصرها وكوادرها على تجييشهم من خلال اللعب على الغرائز المذهبية وفي طليعتها أن عدداً من الدول العربية والغربية قد أعطت تفويضاً عسكرياً لكل من الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل يسمح لهما بضرب المقاومة والمناطق المحسوبة على الطائفة الشيعية بهدف ترحيلهم من لبنان أو إخراجهم من المعادلات الطائفية في المنطقة، وبحسب بعض الأهالي فقد تضمنت هذه الدعوات الطلب من كل شيعي في هذه المناطق، البقاء على أهبة الاستعداد للحظة التي يُستدعى فيها إلى الجبهات.
ثمة أمر ما يجري في مناطق الحزب يُثير الذعر ويبعث القلق في النفوس. يقول أحد سُكّان شارع الرويس، “حركات غريبة تكثر في الليل، لا شيء واضحاً لكنك تشعر بأن عمليات نقل للسلاح تحصل، شُبّان نراهم للمرّة الأولى وجوههم غير مألوفة لنا، البعض يقول أو يهمس إنهم من الحرس الثوري والبعض الآخر يقول إنها عناصر من مناطق مختلفة جاءت إلى هنا للتزود بالسلاح. لا أحد منّا يعرف حقيقة ما يجري، فبالأمس أعلن الحزب التعبئة العامة في صفوفه وسمعنا أن أعداداً كبيرة من العناصر التي كانت تخضع لدورات عسكرية في إيران قد عادت أيضاً بينهم ثلاثة شُبّان من أبناء جيراننا يسكنون في مبنى مجاور لمنزلنا كما سمعنا أن هذه العناصر دعت عائلاتها إلى تجنّب التنقّل بين الجنوب والبقاع وبيروت في هذه الفترة”.
لنتفق على اسم نناديك به، يُجيب الشاب، “سمّيني فراس إذا بتحب”. للشاب تواصل يومي مع الشباب كما يُسميهم فبعضهم بالنسبة اليه أصدقاء “وبعضهم الآخر تحكمني بهم البيئة التي تربّينا فيها”. ويضيف: “ليس الجميع مغرماً بـ”حزب الله” كعقيدة أو فكر، فمعظمهم لا يصومون ولا يُصلّون، أكثر ما يهمهم أن يكونوا مدعومين من الحزب والدعم الأكبر يكون في حال تمكّن أحدهم من الحصول على بطاقة حزبية فهي أهم بالنسبة إليه من الهويّة الشخصية أو بطاقة تموينيّة كونها تخوّلك المرور بسلاحك وبسيارتك على جميع الحواجز بما فيها الحواجز التابعة للقوى الشرعية وألف ويل للجهة التي توقف عنصراً منهم، فعندها تقوم الدنيا ولا تقعد وتُحمّل الجهة التي أوقفته مسؤولية إعاقة عمله الأمني حتّى ولو كان في نزهة مع أصحابه”.
ويتابع: “معظم الشباب فرحوا لدى استدعائهم كاحتياط إلى مراكز خدمتهم وإلى جبهات القتال، بعضهم لأسباب شخصية وبعضهم لأسباب دينية وعقائدية وهذه حقيقة يجب أن أعترف بها”. وهنا يشرح فراس التالي: الاستدعاءات هذه تُعطي أملاً لبعض هؤلاء الشبان بأن القصّة طويلة والدعم المختلف إضافة إلى المعاش “ماشي”، وهؤلاء يدركون أن صلاحياتهم تتوسّع أكثر في كل مرّة تحدث فيها خضّة أمنيّة مثلما حصل بُعيد انفجار الرويس حيث الحواجز المتنقلة والتحّكم برقاب الناس والأهم الحوافز المالية. لكن البعض الآخر انشرحت صدورهم لأسباب دينيّة لا علاقة لها بالصلاحيّات”. وهنا يؤكد فراس على جملة سمعها من شاب ينتمي إلى هذه الفئة، “الله يكتبلي الشهادة بسوريا أو الجنوب أحسن ما موت بعبوة داخل موقف سيّارات”.