#dfp #adsense

على أبواب المحكمة في لاهاي

حجم الخط

على أبواب المحكمة في لاهاي!

في مثل هذا اليوم من عام 2005 كانت معركة الاستقلال مستعرة: رفيق الحريري اغتيل قبل اسبوعين، والجماهير الغاضبة لا تغادر ارض ساحة الحرية، ولا مدفن الرئيس الشهيد طلبا للحقيقة، والحرية والسيادة والاستقلال.

في مثل هذا اليوم من عام 2005، سقطت حكومة الرئيس عمر كرامي التي قال فيها كثيرون انها حوَت من "المخبرين" اكثر مما حوَت من الوزراء. كما قاوم الرئيس كرامي طوال اسبوعين الدعوات الى الاستقالة. وقاوم المزاج الشعبي العارم في كل لبنان، ولا سيما في الشارعين الطرابلسي والبيروتي. ومن المؤكد ان الحدث تجاوزه يومها، فما عرف كيف يتعامل مع زلزال سياسي وشعبي كسر للمرة الاولى الحواجز بين الطوائف اللبنانية، وانفجر غضباً وثورة على الوصاية الاحتلالية السورية. انكسر حاجز الخوف وضيّع معه وزراء الحكومة الكرامية. ففاجأ كرامي جماعات سوريا بإعلانه استقالة حكومته في جلسة تاريخية ومزلزلة أعقبت انهيار الحواجز الامنية والعسكرية التي كان وزير الداخلية آنذاك سليمان فرنجيه أمر بها لمنع الناس من النزول الى ساحة الحرية لردف المتظاهرين هناك بمد شعبي أوسع…

في مثل هذا اليوم من ذلك العام ما كان ليدور في خلد أكثرنا تفاؤلاً وإيماناً أنه سيقدّر لنا أن نشهد بعد ثلاثة أعوام تماماً ولادة محكمة دولية خاصة بلبنان لمحاكمة قتلة الرئيس الحريري ورفاقه… اذ جرت العادة في لبنان أن يُقتل القادة السياسيون وتُطمس الجرائم بقوة الأمر الواقع القائم… الوصاية!

في لاهاي، سيطر امس، طقس ماطر، وطوال مدة الرحلة من بيروت فكرت طويلاً في التحوّل الكبير الذي يمثّله قيام هذه المحكمة، خصوصاً أن التقرير النهائي جاهز، والصورة صارت كاملة أمام لجنة التحقيق الدولية، بعد الاشارات التي صدرت عن رئيس لجنة التحقيق الدولية (لغاية يوم غد الأحد) دانيال بلمار مُعيدة كل الاعتبار الى التحقيق الأساسي الذي قام به أول رئيس للجنة التحقيق الدولية ديتليف ميليس، والذي كانت وجهته واضحة في ما يتعلق بالجهة المسؤولة عن الجريمة، ثم عن الجرائم الأخرى التي جرى ربطها بها لاحقاً.

ومع أن السلطات السورية دأبت طوال أشهر طويلة على التأكيد أنها غير معنية بالتحقيق ولا بالمحكمة، وأنها، وفق تصريحات رسمية، كان آخرها من وزير الخارجية وليد المعلم، شأن لبناني خاص لا علاقة لسوريا به، فإن المبدأ الأول الذي يؤكده المسؤولون في قلم المحكمة هو أن هذه قامت بناء على اتفاق بين لبنان من جهة، والأمم المتحدة من جهة أخرى. بمعنى أنها شأن لبناني – دولي ترتبط بمفاعيله جميع الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة، بما فيها سوريا المعنية أكثر من غيرها بالتحقيق الجنائي.

أكثر من ذلك، فإن الفكرة التي تروّج لها السلطات السورية من أن أي متهم سوري سيحاكم أمام المحاكم السورية ووفق القوانين السورية، ولن يجري تسليم أي مشتبه فيه أو متهم الى محكمة لاهاي الخاصة بلبنان – هذه الفكرة تثير ابتسامات عريضة باعتبار انها لا تأخذ في الاعتبار أن ما يربط أي دولة عضو في الأمم المتحدة بالمحكمة يربط سوريا أيضاً. فتوقيع الأمين العام للأمم المتحدة اتفاق إنشاء المحكمة نيابة عن المنظمة وبتفويض من مجلس الأمن مؤدّاه أن ما من دولة يمكنها أن تتحلل من التزاماتها بالنسبة إلى التعاون مع المحكمة. اللهم إلا إذا كانت السلطات السورية تريد تحويل البلاد سجنا كبيرا…

في لاهاي، وأنا واقف أمام مبنى المحكمة، فكّرت في ما قاله لي الصديق ميشال رينه معوض مساء الخميس، قبل ساعات من مغادرتي بيروت الى لاهاي، قال: إن المحكمة تمثّل لنا، نحن من أصابتهم دورة الاغتيال السياسي إمكاناً لمرحلة جديدة في منطقة الشرق الأوسط يصبح معه الاغتيال السياسي أكثر كلفة من أي وقت مضى. فتتوسع آفاق الحياة السياسية الديموقراطية في المنطقة اكثر وأكثر… قالها لي وقضية والده الرئيس الشهيد رينه معوض التي جرى طمس معظم معالمها في أصعب مراحل الوصاية – في شكل أو في آخر – تنبعث من جديد من خلال هذه المحكمة الناظرة في قضية الرئيس الحريري والقضايا المتصلة…
إنها مصدر أمل بعد طول قنوط…

المصدر:
النهار

خبر عاجل