"مجد لبنان أعطي له"
كان في القرن السادس ميلادي في جبل لبنان تلاميذ عديدون لمار مارون، يعيشون الإيمان المسيحي عيشًا كاملاً في حياة تتناسب مع الإيمان. عندما عصفت بهم رياح الإضطهاد، قرروا أن يتوحدوا في كيانٍ كنسيٍ تحت كنف بطريرك يحميهم من المضطهِدين المتربصين بهم شرًّا. وكان ذلك في بداية القرن الثامن عندما انتخبوا بطريركًا رئيسًا عليهم وهو البطريرك يوحنا مارون، وحينئذٍ أصبحوا هم الطائفة المارونيّة.
منذ ذلك الوقت، كبرت الجماعة وزادت الأخطار والإضطهادات، فتعرضت حظيرة البطريرك الراعي لغارات الذئاب التي شتتت بعض أفراد القطيع، فتخلّى البعض عن إيمانهم وهاجر البعض الآخر، أما الراعي فصمد يواجه الذئاب، يدافع عن النعاج، يثبتهم في إيمانهم ويقودهم بحكمته إلى المراعي الخصيبة.
ورغم تشتت عدد كبير من الجماعة على مرّ القرون، بقي الكيان واستمر لأن الراعي سكن المغاور في قمم الجبال حيث لا يعيث السوس ولا تستطيع الرياح اقتلاعه. زد على ذلك، أنه لم يتوان يومًا عن بذل ذاته من أجل رعيته، فتبعته الرعية حيث ذهب لأنها تؤمن أنه الراعي الصالح، وهو أساس الكيان وهو التاريخ المتواصل، فاستحق منها أن يكلل بمجد لبنان.
منذ القرن الثامن وحتى اليوم، تحاول الذئاب العبث بالرعية فيستسلم لها قليلو الإيمان، أما البقية الباقية فصامدة أبدًا لأن بطريركها يملك مجد لبنان، وهي تعرف صوته فتتبعه أينما يذهب ليعطيها الحياة. يحاول البعض اليوم الإستيلاء على مجد لبنان، لكن الرعيّة تقف لهم بالمرصاد لأن المجد لا يُعطَى إلا لمن تقدّس في وادي قنوبين وحلّق مع النسور على قمة جبل الحِبِسْ في العاقورة. أما البطريرك فما زال على كرسيه يتربص بالأعداء دفاعًا وصمودًا، ولن يُسَلِم المجد إلا لبطريرك آخر ينتَخِبَه أحبار الطائفة ليُعطي الطعام لرعيته في حينه.
وللتاريخ يجب أن يطأطئ كل من دخل إلى بكركي رأسه الشامخ تحت قنطرة كتب عليها: "مجد لبنان أعطي له".