قطار…
أنه أول قطار من نوعه يصل الى محطته يا إخوان.. وأول قطار يسير على الدم النقي من دون إضافات ملتبسة قد تترك تأثيرات جانبية على بيئة الحق والعدالة.
وصل قطار المحكمة وأطلق صفارة النهاية والبداية في الوقت نفسه. نهاية رحلة صعبة على طريق وضعت فيها كل أنواع المعوقات والسدود لحرف المسار وتضييع البوصلة ورمي القطار بمن فيه في الهاوية إذا أمكن، لكن ذلك لم يفلح تماماً. تأخرت الرحلة لكنها تمت. وتناثرت على السكة أنواع كثيرة من المعوقات لكنها لم تكن كافية لتركيع جباه، وليّ أذرع، وتكسير عظام حرّكت عصب قطار الحق حتى أوصلته الى مبتغاه.
نهاية رحلة، وبدء أخرى. صفارة واحدة أطلقت النفيرين. والآتية قد تكون أقسى وأمرّ وأخطر علماً أن كثيرين يفترضون أن الأولى كانت الأساس، الأصعب، والأكثر إثارة، والمحك الفعلي لنيات المؤيدين، ومدى قدرات المعرقلين المتضررين المهتاجين، القلقين من الحق ونوره الوضّاء، كما دأبهم دائماً في كل شأن يخالف مصالحهم وخططهم وتركيباتهم وسياساتهم وجرائمهم!
بانت قدرات هؤلاء، على شراستها ووضوحها وصلفها، وتوسلها "كل شيء" للعرقلة والإلغاء والتزوير والتهديد والرعيد… بانت أعجز من قطع الطريق مرة واحدة وأخيرة.. ومولد عجزها هو ذاته الذي استخدم لصدّ كل محاولة مهما كان نوعها وطبيعتها، على مدى أربع سنوات تامة كاملة: لا تعطيل المؤسسات الشرعية نفع، ولا استخدام الشارع نفع، ولا التفجيرات نفعت ولا الاغتيالات نفعت ولا المناورات نفعت ولا التذاكي نفع ولا الوعود الكاذبة نفعت. كل ذلك إرتد أمام إرادة هدّمت حيطاناً كبيرة وبنت بدلاً منها سدوداً لا تلتوي. وهي إرادة لا تكلّ ولا تملّ ولا تتراخى ولا تتنازل ولا تتراجع ولا تتهاون.. في سعيها من أجل إيصال قطار الحق الى محطة العدالة.
ضغوط تنيخ تحت وطأتها جبال لم تزعزع تلك الإرادة ولم تنزلها عن عرشها، ولم تفكك تلك المقولة الآتية من بطون التاريخ والقائلة أن صاحب الحق سلطان.. فأي قوة أكبر وأخطر وأفعل من قوة إرادة ذلك السلطان؟!
لم يكن أمس يوماً عادياً… بل لم تكن كل أيامنا منذ ذلك الرابع عشر من شباط 2005 عادية حسب التوصيف المعتمد والشائع الـ"العادي".. لكنه كان يوماً غريباً في فرادته واستثنائيته، إذ للمرة الأولى منذ ارتكاب الجريمة تحديداً، بدأ أناس كثر يفترضون أن محاسبة القاتل على جريمته هي المسألة "العادية" وأن الأمر كان كذلك منذ بدء التاريخ. ولم يزل، وأن تعويدنا على نقيضه لم يفلح.
بهذا المعنى "العادي" والبسيط وصل قطار المحكمة وبدأ في تحميل ركابه استعداداً للانطلاق نحو محطته الأخيرة: العدالة ولا شيء غيرها!