حتى تكتمل فرحة اللبنانيين بالمحكمة
من حق اللبنانيين أن يحتفلوا بانطلاقة <المحكمة ذات الطابع الدولي من اجل لبنان> الخاصة بجريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ليس احتفال التشفي، والسعي للثأر أو الانتقام من أحد، بل تعبيراً عن فرحة طال انتظارها على أمل طي صفحة الاغتيالات، وما تخللها من تفجيرات سقط ضحيتها عشرات الضحايا الأبرياء.
حتى الأمس القريب كانت انطلاقة المحكمة أمراً ملتبساً، تتقاذفه هواجس الصفقات المفاجئة، والتغييرات الصاعقة في سياسة هذه الدولة أو تلك، وذلك على إيقاع حملة منظمة من <الإشاعات المدروسة>، والمفبركة بعناية هدفها إحباط الآمال المعلّقة على المحكمة وعلى العدالة الدولية تارة، والترويج لمناخات من التشكيك حول جدوى المحكمة وقدرتها الفعلية على كشف الحقيقة والوصول الى الشبكة المنظمة التي خططت للجريمة النكراء، ونفذتها بدم بارد، ثم اتبعتها بسلسلة من الاغتيالات طالت رموزاً وطنية، وشخصيات بارزة في السياسة والإعلام والعمل الوطني.
من حق اللبنانيين أن يفرحوا بقيام المحكمة الدولية التي أصبحت أمراً واقعاً بدءاً من أمس الأحد الأول من آذار، لأن انطلاقتها أكدت بما لا يقبل الشك أن المجتمع الدولي عازم، هذه المرة، على تحمل مسؤولياته تجاه الوطن الصغير، الذي وجد نفسه فجأة محاصراً بنيران الغدر والحقد والكراهية التي أودت بنخبة من رجاله، وفي مقدمتهم الرئيس الشهيد، من دون أن يستطيع التصدي لوحده لهذه الجرائم التي أحدثت زلزالاً سياسياً خطيراً، كادت تداعياته أن تودي بالأمن والسلم والاستقرار في هذا البلد الذي تعاني صيغته، الفريدة من نوعها، من ضغوطات وتدخلات لا تنتهي من أطراف خارجية، تحاول دائما أن تجعل مساحة الحرية والديمقراطية التي ينفرد بها، ساحة لتصفية الحسابات في الصراعات الإقليمية والدولية المحتدمة.
فماذا يعني الاصرار الدولي على قيام <المحكمة من اجل لبنان>؟.
* * *
قيام المحكمة الدولية يعني أولا انتهاء مرحلة <لجنة التحقيق الدولية> والتي شكّلت بحد ذاتها كياناً فريداً، لأنها كانت الأولى من نوعها، وكانت السابقة الأولى في تاريخ العدالة الدولية.
قد لا يكون العمل الذي قامت به لجنة التحقيق الدولية، طوال السنوات الأربع الماضية، كاملاً وخالياً من الأخطاء والشوائب، ولكن ما حققته هذه اللجنة، في عهود رؤسائها الثلاثة، وعبر الظروف البالغة التعقيد امنياً وسياسياً في لبنان، يستحق التقدير، وقد يتحول إلى نموذج لحالات مماثلة مقبلة، لأن إنجازات اللجنة قي التحقيق هي التي فتحت أبواب المحكمة الدولية، وأدت للانتقال إلى هذه المرحلة المتقدمة على طريق كشف الحقيقة التي طال انتظارها من قبل اللبنانيين.
ويُعتبر التجاوب الدولي المستمر في تأمين مستلزمات قيام المحكمة من أموال، وقرارات، وتعيينات لأكفأ القضاة الدوليين، بمثابة رسالة تحذيرية إلى من يعنيهم الأمر، بأن سياسة الإفلات من العقاب قد انتهت، وأن الأمن والاستقرار في لبنان هو مسؤولية دولية بقدر ما هو شأن وطني يهم اللبنانيين، ويُفترض بأنه يهمّ كل اللبنانيين، وليس أكثريتهم فقط، فضلاً عن المطالبة بالتخلي عن الاغتيالات واستخدام العنف في الداخل لحسم الخلافات المحلية، السياسية منها والفئوية.
من هنا كانت أهمية تكرار الأمين العام للأمم المتحدة، وللقائمين على شؤون المحكمة، بأن اعمالها لن تتأثر بأية اعتبارات سياسية، وأن قراراتها لن تخضع لأساليب الضغط والابتزاز السياسي أو الأمني، بالقدر نفسه الذي تحرص فيه بأن لا تتحول العدالة الدولية إلى أداة سياسية بيد أحد، لتحقيق غايات قطرية أو أهداف فئوية، أو حتى مصالح خارجية لطرف ثالث أو اكثر.
غير ان ما يُشجع على التفاؤل باعمال المحكمة هو هذه الثقة الكبيرة التي منحها المجتمع الدولي لقضاة هذه المحكمة، والتي من شأنها أن تُعزّز ثقة اللبنانيين بها، وفي مقدمتهم عائلة الرئيس الشهيد، حيث أكد الزعيم الشاب سعد الحريري، بشكل واضح وحاسم، وأكثر من مرّة، قبوله بأحكام المحكمة، وما ستتوصل إليه من نتائج وقرارات، ولو كان بينها قرار بتبرئة النظام السوري.
***
وإذا كان قيام المحكمة قد أكد أيضاً أن دماء الشهداء: رفيق الحريري وباسل فليحان ورفاقهما الأبرار، وتضحيات أبطال ثورة الأرز:
سمير قصير وجورج حاوي وجبران تويني ووليد عيدو وولده خالد وبيار أمين الجميل وأنطوان غانم وفرانسوا الحاج ووسام عيد، لن تذهب هدراً، فإن التحدي الأكبر الذي سيُواجه المحكمة ليس الكشف عن هوية المجرمين في اغتيال الرئيس الشهيد وحسب، بل أيضاً في اكتشاف الخيوط السرية التي تربط بين زلزال 14 شباط وتداعياته في الاغتيالات والتفجيرات الإجرامية التي أعقبته، حتى يستطيع اللبناني أن يطمئن إلى أن <مجموعات الاغتيالات> قد أصبحت في قبضة العدالة الدولية.
ولكن: هل ستُوقف المحكمة الدولية مسلسل الإجرام الذي لم تستطع لجنة التحقيق الدولية أن توقفه ولا أن تكشف أصحابه الحقيقيين؟.
لعله من المبكر الخوض في هذا التساؤل، لا سيما وأن أمام المحكمة فترة من الوقت، قد تصل حتى نهاية هذا العام لاستكمال الاستعدادات اللوجستية والتنظيمية والإدارية، التي تمكنها بمباشرة عملها القضائي بشكل سليم ومتواصل.
ولكن تبقى ملفات الضباط الأربعة الموقوفين لدى القضاء اللبناني بمثابة الاستحقاق الداهم للمدعي العام للمحكمة القاضي بيلمار، الذي يمنحه نظام المحكمة فترة شهرين فقط، لاتخاذ قرار استلام الضباط الأربعة وملفاتهم من لبنان، ليخضعوا إلى تحقيقات المحكمة الدولية مباشرة.
وهنا لا بد من التوقف عند التعهد الذي أعلنه بيلمار شخصياً أمام الإعلام وأكد فيه الحرص على معاملة المعنيين، من متهمين وشهود، بما يحفظ كرامتهم، لأن مقتضيات العدالة لا تقبل بأقل من ذلك، والمحافظة على كرامة الإنسان هي السمة الضرورية لأي مسار عدلي يتسم بالمصداقية والموضوعية والعدالة.
***
وعلى سيرة المصداقية، فقد أكد القضاء اللبناني تجرده وموضوعيته في التحقيق بجريمة اغتيال الرئيس الشهيد، من خلال قرار إطلاق سراح الأخوين عبد العال عشية إعلان انطلاقة المحكمة الدولية، علماً أن الأخوين المطلق سراحهما ينتميان إلى جمعية المشاريع البعيدة عن مسار قوى 14 آذار، ولم تكن على توافق مع حكومات الرئيس رفيق الحريري. يضاف إلى ذلك أن عملية الإطلاق جاءت قبل اسابيع قليلة من الانتخابات النيابية التي تخوضها جمعية المشاريع عادة في اللوائح المنافسة لتيار المستقبل.
***
قد تأخذ المحكمة الدولية وقتاً طويلاً قبل أن تُصدر أحكامها وذلك بسبب العدد الكبير من الشهود الذين ستستمع إليهم، فضلاً عن متابعة التحقيق في مفاصل دقيقة، خاصة مع الضباط الأربعة، بالإضافة إلى الواقع البيروقراطي واللوجستي الناتج عن تعدّد جنسيات العاملين في المحكمة من قضاة وإداريين.
المهم ألا يشكل الوقت ومرور الزمن عائقاً مفاجئاً أمام المحكمة لكشف الحقيقة حتى تكتمل فرحة اللبنانيين!.