النظام السوري و”معارضته” يكشفان عدم ثقتهما بميشال سليمان
ورفضهما تفسير موسى للحكومة رفضٌ للرئاسة التوافقيّة
ورفضهما تفسير موسى للحكومة رفضٌ للرئاسة التوافقيّة
مواجهةُ النظام العربيّ للتحدّي: التنسيق بين الشرعيتين العربية والدولية
نصير الأسعد
نصير الأسعد
في خضمّ التصعيد الذي واكبت به المبادرة العربية مشروحةً على لسان الأمين العام للجامعة، كشفت “المعارضة” بالأصالة عن نفسها ونيابةً عن النظام السوري، “موقفاً سلبياً” من قائد الجيش العماد ميشال سليمان ومن وصوله إلى رئاسة الجمهورية.
نزع صفة التوافق عن سليمان
كان هذا الموقف “السلبي” معروفاً قبل الآن وإن مستتراً. لكنه بات يُقال على “رؤوس الأشهاد”. وثمّة فارقٌ سياسي نوعيّ بين أن يكون الموقف معروفاً ضمناً وبين أن يُقال جهاراً. فمن مداخل عدّة ولاعتبارات مختلفة، تعلنُ “المعارضة” انّ العماد سليمان ليس رئيساً توافقياً وأن لا ثقة لها به على هذا الأساس.
بعضُ “المثرثرين” من “المعارضة” يمرّرون أسباباً لاعتبارهم سليمان غير توافقي. فتارة السبب هو انّ سليمان لا يقول شيئاً بإزاء ما يدور الصراع حوله. وتارة ثانية السبب هو أنّه رفض الخوض في تعهدات للمرحلة المقبلة. وتارةً أخرى السبب هو انّه لم يبد استعداده لـ”ضمان” حقوق المعارضة في المشاركة. وهكذا، انتقلت “المعارضة” من الحديث عن “تحصين الرئيس التوافقي” إلى استهداف هذا الرئيس مباشرةً.
..يعترضان على “هواه العربي”
غير انّ معطيات توافرت لجهات سياسية وديبلوماسية متنوّعة تفيد انّ وراء “إستنفار” النظام السوري و”معارضته” ضدّ ميشال سليمان سببين رئيسيين.
الأول هو انّ نظام الأسد و”معارضته” في لبنان يعتبران انّ سليمان ذو “هوى عربي”، أي أقرب إلى النظام العربي منه إلى النظام السوري. ويعتبران انّ الرئيس الذي يأتي “الدعم الأول” لترشيحه من مصر، ثم يمرّ الدعم بالدول “الركنية” في النظام العربي، لا يمكن أن “يؤمن له”.. بالضبط لأن رئيساً من هذا “النوع” سوف يحرص على إنتماء لبنان إلى النظام العربي والشرعية العربية و”الإستراتيجية” العربية المحدّدة في الإعلان الصادر عن القمّة الأخيرة في الرياض.
..وعلى رفضه المبازرة على المحكمة
أمّا السببُ الثاني ـ والأهم ـ بحسب المعطيات، فهو انّ “جسّ نبض” حصل مع العماد سليمان من جانب مقربين من النظام السوري بدأ بـ”أسئلة” عمومية حول موقفه من “القرارات الدولية” ثم راح ـ أي “جسّ النبض” ـ يدقّق بموقفه المحدّد من مسألة محدّدة هي المحكمة الدولية. وبطبيعة الحال، كان سليمان واضحاً في احترامه المحكمة وفي رفضه إخضاع هذا الأمر لأي نقاش أو تعهّد أو بازار.
من هنا فإنّ الرئاسة التوافقية للعماد سليمان تبدو اليوم “ضحيّة” موقفين متلازمين للنظام السوري و”معارضته”. الأول هو أنهما لا يريدان رئاسة للجمهورية في لبنان أصلاً. والثاني هو أنّهما يحاسبانه على أساس رفضه التواطؤ معهما ضدّ المحكمة الدولية، فضلاً عن كلّ الاعتبارات السياسية الأخرى، لا سيما علاقته بالنظام العربي.
طبعاً، ليس العماد سليمان هو المطروح للنقاش، علماً انّ المواقف التي يُحاسب عليها هي مواقف في مصلحة لبنان وسيادته.
غير انّ هذه المقدّمات تشكّل خلفيّة ضروريّة لقراءة تعاطي النظام السوري و”معارضته” مع المبادرة العربية. فـ”المعارضة” تتمسّك بالثلث المعطّل لنفسها لأنّها لا ترى من هو مستعدّ للتواطؤ معها على التعطيل. وهي إذ تعلنُ عدم ثقتها بسليمان، “تمشكلها” حول الحكومة للحؤول دون إنتخاب الرئيس ودون قيام حكومة للرئيس فيها الصوت المرجّح، والهدف هو ضرب المسار الدستوري.
إجتماع 27: من محاسبة إلى “تفسير”
ليس من داعٍ إلى الإطالة في هذا المجال. لكنّ السؤال المطروح هو ماذا بعد كلّ ما جرى الأسبوع الماضي؟.
رفض النظام السوري و”معارضته” المبادرة العربية تحت عنوان انّ التفسير الذي أعطاه الأمين العام عمرو موسى ليس التفسير الصحيح لـ”نصّ” المبادرة، لكأنّ موسى كان ينطق باسمه الشخصي وليس باسم الموقف العربي الرسمي.
ويمكن القول بلا تردّد إن رفض “التفسير” مرادفٌ لـ”إفشال” المبادرة. فها هو النظام السوري الذي دفعَ المبادرة الفرنسية إلى الحائط المسدود سابقاً يدفعُ المبادرة العربية إلى المأزق أيضاً.
وإذا كان من الواضح انّ نظام الأسد يريد تحويل إجتماع مجلس وزراء الخارجية العرب في 27 كانون الثاني الجاري، من إجتماع لكشف المعطّلين ومحاسبتهم، إلى إجتماع “تفسيريّ” للمبادرة، وإذا كان النظام السوري يراهن على إحتمال عدم تحقّق “إجماع” من جانب كلّ الدول العربية حول “التفسير”، ويراهن على تعطيل الدينامية العربية بشأن لبنان تالياً، فمن الواضح انّه يتحدّى النظام العربي، وانّ النظام العربي معنيّ بمواجهة هذا التحدّي.
أهميّة تقرير موسى
وبدايةُ مواجهة التحدّي، هي تقريرُ الأمين العام إلى الإجتماع العربي. ولا بدّ أن يضمّنه الحقائق، أي المعطيات التي رافقت سعيه إلى وضع المبادرة موضع التنفيذ.
لا يحتاج عمرو موسى الى من يقترح عليه صياغة معيّنة للتقرير وهو الذي واجه في مهمّته ما واجهه من عراقيل، أهمّها “الإزدواجية” بين إعلان تأييد المبادرة في دمشق ولجوء “المعارضة” الى تعطيلها في بيروت.
كيف يحرّر لبنان من السجن؟
بيدَ أن الاجتماع العربي في 27 من الجاري مطالبٌ بموقف حازم. وأساس الموقف الحازم المنشود، هو أن دولة عربية هي سوريا تتواطأ مع دولة أخرى غير عربية هي إيران، على خطف بلد عربي هو لبنان وأسره. والأساس هو أن الأكثرية السياسية والنيابية مسجونة وممنوعة من ممارسة حقوقها الدستورية، والبلد ممنوع من أن تكون له رئاسة جمهورية ومؤسسات دستورية.
لذلك، على النظام العربي في اجتماعه على مستوى وزراء الخارجية أن يجيب عن السؤال الآتي: كيف يُخرج لبنان من الأسر وكيف تُمكّن الأكثرية من ممارسة حقوقها ودورها وكيف يستعيد البلد مساره الدستوري؟
وإذا كانت بداية مواجهة تحدّي نظام الأسد للنظام العربي هي في تقرير الأمين العام عن مهمّته بين بيروت ودمشق، فإن بداية الجواب عن السؤال المطروح هي تقرير الأمين العام أيضاً وموقفٌ عربي مؤسس عليه. وحتى لو قرّر أركانُ النظام العربي عقد قمة طارئة بشأن لبنان، لا مناص من موقف يحرّر لبنان من سجنه ويحرّر حقوق الأكثرية. أما “تدوير الزوايا” فلم يعُد يجدي نفعاً.. وأي تعديل للمبادرة هو تشجيعٌ على إبقاء لبنان “رهين المحبسَين” السوري والإيراني.
الخط المفتوح بين التعريب والتدويل
ثم ماذا؟
ثمّة ابتزازٌ للمبادرة العربية بأنها خطوةٌ نحو التدويل أي أنها تمهّد للتدويل. هو ابتزازٌ لأن المبتزّين تعاملوا في السنوات الماضية مع “موجات” من التدويل كانت المبادرة الفرنسية آخر مثال عنه. ولأن المبتزّين ينكرون متى أرادوا حقيقة العلاقة بين التعريب والتدويل، وقد تجلّت العلاقة في التناوب بينهما بين مبادرة عربية حيناً وأخرى دولية حيناً آخر. ولأنهم يتجاهلون حقيقة أن الشرعية العربية والشرعية الدولية متقاطعتان، وأن القرارات العربية مؤسسة على قرارات الشرعية الدولية. ويتناسون أن المبادرة الفرنسية “سلّمت” للمبادرة العربية في إطار الدعم المتبادل والتنسيق الدائم.. وأن المبادرة الفرنسية مرحلة والمبادرة العربية مرحلة أخرى في سياق عربي ـ دولي موحّد.
إذاً، إن الموقف العربي الرسمي الحازم حيال التعطيل السوري والإيراني لحياة لبنان مهمّ في حدّ ذاته، خصوصاً إذا استطاع النظام العربي اتخاذه أولاً، وإذا استطاع ثانياً أن يقرنَه بخطوات تؤكد أن لا غطاء عربياً شرعياً لنظام الأسد ودوره التعطيلي في لبنان. لكن الموقف العربي الرسمي سيكون شديد الأهمية إذا أسّس لانتقال “المسألة اللبنانية” الى منبر الأمم المتحدة. ففي النهاية ليس ثمة “خط فاصل” بين التعريب والتدويل، والشرعية العربية “داخل” الشرعية الدولية وليست خارجها. فالتعريب مدوّل والتدويل معرّب ولا معنى لـ”تمييز” حادّ.. ولبنان مسؤولية عربية ودولية، وحياتُه التي تتعرّض للإرهاب بحاجة الى إنقاذ.