المحكمة في ما يتعدى السياسة والتنظير
بغض النظر عن المدى الزمني الذي قد تحتاجه المحكمة الدولية الخاصة بلبنان لاعلان احكامها او المسارات التي ستسلكها للوصول الى هذه الاحكام، يشكل تاريخ انطلاقة المحكمة الدولية الخاصة بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه في الاول من آذار، حدثا يتجاوز باهميته البعد السياسي اليومي والآني وتنظيراته الى البعد الاخلاقي والسلوكي للمجتمعات والذي سيكون من الصعب حصر تردداته ونتائجه في فترة وجيزة ومحددة.
ما ان امتدّت يد الغدر لتنال من الرئيس رفيق الحريري ورفاقه، حتى ارتفع صوت الناس، مطالبين بكشف الحقيقة، حقيقة من قتل رفيق الحريري ومن حاول قتل مروان حمادة، و لتضّم اللائحة في ما بعد، المطالبة بكشف حقيقة مسلسل الجرائم المرتكبة من سمير قصير الى وسام عيد. والمفارقة، هي ان الناس ومنذ اللحظة الاولى لارتكاب هذه الجرائم، لم تغرهم معرفة الحقيقة التي كانوا وما زالوا يعتقدون بانهم يعرفونها تمام المعرفة، بقدر ما كان يهمهم التغلب على التحديات والعقبات التي تواجه تشكيل المحكمة المحصنة بالقانون الدولي لاشهار هذه الحقيقة.
لا مبالغة ان قلنا ان احد العناوين الرئيسة للصراع الداخلي خلال الاربع سنوات الاخيرة، كان الصراع على المحكمة الدولية والعدالة من اجل لبنان واللبنانيين والمضطهدين الى امة انتموا او من اي مذهب او دين او عرق كانوا. لا مبالغة ان قلنا ان معظم الشهداء الذي سقطوا بعد 14 شباط 2005، هم شهداء المحكمة و العدالة من اجل لبنان والانسانية. فمنذ اللحظة الاولى لانطلاق دورة العنف الدموي التي اعقبت التمديد للرئيس لحود، ولسان حال معظم الناس يتهم النظام الامني السوري – اللبناني المشترك، بالمسؤولية عن التخطيط والتنفيذ لكل احداث العنف التي وقعت في لبنان منذ ذلك الحين وحتى اليوم. وكانت الدعوة لاسقاط هذا النظام قد بلغت ذروتها في 14 آذار، حين اجتمع مئات الالوف من اللبنانيين في ساحة الشهداء، ومعظم عواصم العالم، للمطالبة بالانسحاب السوري من لبنان وتشكيل محكمة تكون قادرة على محاكمة رموز النظام الامني الذين اتهّموا مباشرة، ومن دون مواربة، باغتيال الرئيس الحريري ورفاقه، بعد ان كانت قد وجّهت اليهم تهمة محاولة اغتيال مروان حمادة.
وفي الوقت الذي كان فيه اركان السلطة يروجّون لنظريات وسيناريوات"مفروضة" او "مفترضة" عن دور ما للأصوليين الاسلاميين او الموساد الاسرائيلي في اغتيال الرئيس الحريري، كانت شكوك الناس برموز النظام الامني تترسّخ، ومطالبتهم بكشف الحقيقة تتصاعد. والدافع الى تعزيز الشكوك وتصاعد المطالبة بالحقيقة لم يكن أستبعاد الناس فرضية الخطر الاسرائيلي او الاصولي، بقدر ما كان الحاح السلطة الخبيث على اللبنانيين بان يكذبّوا انفسهم و يخالفوا مسار الاحداث ويرفضوا منطقها، ويثقوا فقط بما يطالعهم به رموز هذا النظام.
عشرات لا بل مئات الجرائم المرتكبة بحق اللبنانيين، قادة ومفكرين ومواطنين، شجّع عدم كشف اسرارها ومحاكمة مرتكبيها، على الانتقال من نظام وصاية لا يكترث لغير مصالحه، الى نظام امني قبض على كل مفاصل السلطة وامتهن اساليب القمع والترهيب والافساد. وباسم وحدة المسار والمصير، حوّل هذا النظام لبنان الى مجتمع مدجّن لا حراك فيه إلا للاشباح التي كانت تسيّر شؤؤن البلاد بـ"كلمة السر". هذه الكلمة التي اذلّت اللبنانيين طويلا، واغتصبت ارادتهم وقتلت فيهم اي حس بالعنفوان و الكرامة الوطنية.
لقد انتظر اللبنانيون بفارغ الصبر، الاستحقاق الرئاسي للانتقال بواسطة الوسائل الدستورية والديمقراطية، وبالتفاهم مع سلطة الوصاية السورية، الى مرحلة يكون فيها لللبنانيين الحد الادنى من حق تقرير المصير ومن ضمنه حق المشاركة في اختيار رئيسهم العتيد. غير ان النظام الامني الذي نما كالفطر في ظل سلطة الوصاية، كانت ارادته اقوى من رغبة معظم اللبنانيين، فاقرّ التمديد لنفسه عنوة، وحللّ دم كل من لم يماشيه.
رفيق الحريري احد القادة المعارضين للتمديد، حبس النار في عروقه وطوى اعتراضاته ومشى. غير ان ذلك، لم ينجه من حقد "الفرّيسيين" الذين غدروا به و زلزلوا الارض بموكبه في وضح نهار بيروت التي احبّها واحبته. ارادوا بقتله ان يقتلوا ارادة الشعب اللبناني باستعادة كرامته الوطنية والانعتاق من حكم نظام الاجهزة والمخابرات. لكن اللبنانيين الذين هالهم المشهد – الزلزال انتفضوا، انتفضوا بدموعهم وشموعهم وصلواتهم من كل الطوائف والمناطق والفئات والاعمار، في مشهد بديع لم يألفه لبنان من قبل. انتفضوا طالبين الحقيقة، حقيقة من قتل رفيق الحريري، وواثقين بان الحقيقة وحدها باستطاعتها ان تحررهم وتحميهم بعد ان سقطت كل انواع الحماية من هذا النظام الحاقد واللئيم. ترى ما سرّ الذين اصروّا على كشف الحقيقة، أوَحيٌ أُنزل على هؤلاء الناس أم ايمانهم بتجليّ الحقيقة وقدرتها على اجتراح المعجزات؟
لذلك كله، يشكل يوم الاول من آذار، يوم انطلاقة عمل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، مسألة وجدانية تتجاوز المفاهيم الضيقة للسياسة وتنظيراتها. فالمحكمة – الحلم قبل اربع سنوات، اصبحت بفضل دماء اللبنانيين وابتهالاتهم وشموعهم وصلواتهم المحكمة – الواقع والامل، وكلمة الحقيقة التي كانت ترددها حناجر الملايين في 14 آذار تصبح قضيتها مع انطلاقة المحكمة قضية كونية، ومتى تصبح الحقيقة كونية فلا احد يستطيع ان يوقفها او يقمعها او يخفيها، لانها عندئذ تصبح حقيقة موجودة بالفعل منقذة ومحررة.