لأن خطوة قيامها تكتسب بعداً مهمّاً يشبه حياد لبنان
دعم المحكمة يُسلط الضوء على الخيارات المسيحية
مع ان المحكمة الدولية الخاصة بلبنان التي انطلقت اعمالها في الاول من اذار ترتبط ارتباطا وثيقا باغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه ثم بسائر الاغتيالات التي توالت بعد 14 شباط 2005، يبرز مغزى مهم في تعبير "المحكمة الخاصة بلبنان"، يكسبها ابعادا مهمة مماثلة في مغزاها لما يشبه القول بتأمين الحماية للبلاد وتحييدها عن شرب هذا الكأس مجددا من اي جهة اتى الاغتيال. وهذا الامر تشبهه مصادر سياسية باعتماد الحياد للبنان على الصعيد السياسي الذي يطالب به كثيرون، ويتمنون ويعملون من اجل تحقيقه فعلا اذ من شأنه ان يجنب لبنان اخطارا كبيرة عاش الكثير منها خلال العقود الماضية ولكن من دون نجاح كبير حتى الان، في حين ان النجاح تحقق على صعيد توفير الحياد والحماية من خلال المحكمة وفق ما هو مفترض. ولذلك بدا التحفظ او عدم الحماسة الذي ابداه بعض الافرقاء عاملا لافتا خصوصا بالنسبة الى اطراف مسيحيين تحديدا عانوا طويلا اغتيالات طالتهم خلال الحرب وتمنوا لو ان ثمة عدالة محلية او دولية يمكن ان تقتص من المذنبين المحتملين في حينه من دون ان يتمكنوا من تحصيل ذلك من الأسرة الدولية، في وقت تشكل المحكمة الخاصة بلبنان فرصة لاعادة احقاق الحق ومنع التهديد بالاغتيالات او محاولة اخضاع لبنان بالاغتيالات وان تكن صلاحيات هذه المحكمة لا تشمل الاغتيالات خلال الحرب. وهذا دفع المصادر المعنية الى ان تتساءل عما اذا كان ثمة تهديد ستتعرض له المحكمة نتيجة عدم تعاون محتمل ستواجهه المحكمة في حال فازت قوى 8 اذار بالأكثرية النيابية في الانتخابات النيابية المقبلة، من دون تمييز بين فريق وآخر من ضمن هذه القوى، وبالتالي تأخير عملها على رغم كل الدعم الدولي الذي حظيت به المحكمة لدى انطلاقها.
فهناك ارتياح في الاساس الى موقف رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان من المحكمة والذي اعلنه اصلا في خطاب القسم على اثر انتخابه رئيسا في 25 ايار الماضي والذي كرره امس في الجلسة الاخيرة للحوار حيث اعرب عن امله في "ان يشكل انطلاق المحكمة بداية لاغلاق ملف مؤلم في مناخ من العدالة ومن دون تسييس". وهذا الموقف من شأنه ان يشكل دعما قويا للمحكمة واستمرارها، لكن دونه والتعاون المستقبلي مع المحكمة في حال فوز محتمل لقوى 8 اذار اخطار كبيرة في ضوء الاداء الراهن لهذه القوى.
وملف المحكمة من هذه الزاوية يفتح الباب على المسؤولية المسيحية التاريخية التي تلقى وستلقى على الطوائف المسيحية نتيجة الانتخابات النيابية المقبلة وسائر الملفات المهمة جدا على صعيد مصير لبنان ومستقبله والتي ستترتب اتجاهاتها ومصيرها على الخيارات التي ستعتمدها هذه الطوائف. فبالنسبة الى المحكمة الدولية تقول مصادر معنية ان ما قد يهمها في الاساس هو القرار الظني او الاتهامي الذي سيتبلور نتيجة التحقيقات قبل المحاكمات التي يمكن ان تستغرق سنوات يحتمل تصفية المرتكبين او المذنبين خلالها قبل وصولهم الى المحاكمة او حتى القنوات البشرية التي يمكن ان تؤدي الى هؤلاء. ولكن من الضروري ان تحظى المحكمة لمصلحة جميع اللبنانيين وللمسيحيين قبل المسلمين بكل الدعم الممكن والمطلق للوصول الى النتائج المرجوة.
وهذا الامر ينسحب على الخيار الاكبر والاهم المتعلق بمصير لبنان واتجاهه السياسي في المرحلة المقبلة. اذ ان الانتخابات عام 2005 حصلت بفورة عاطفية لم تقتصر على المسلمين على اثر اغتيال الحريري بل شملت المسيحيين وبنسبة اكبر من حيث العودة الحديثة للعماد ميشال عون من باريس والتي تفجرت دعما غير مسبوق له، فضلا عن عوامل اخرى ساهمت في اذكاء الدعم المسيحي على اثر انتفاضة الاستقلال.
في حين ان الانتخابات المقبلة تحصل في ظل تطورات مهمة جدا شهدتها الاعوام الماضية كان اهمها خروج القوات السورية من لبنان، ولكن اي تقويم موضوعي لم يحصل لهذه المرحلة ولا للمرحلة التي اعقبتها على نحو موضوعي لتبيان ما الذي حققه اللبنانيون من هذا الانسحاب وما الذي يجب استخلاصه، وخصوصا في ظل تسرع مسيحي تحت وطأة التمهيد للانتخابات النيابية في محو الماضي من دون اي مراجعة له وتقويم يبنى على اساسه للمستقبل.
اذ ان سوريا لم تلب حتى الان التزاما تعهدته على اعلى المستويات من اجل اقامة علاقات ديبلوماسية سوية بين البلدين، ولم تعر موضوع المعتقلين اللبنانيين لديها الاهمية المطلوبة مما يقفل الباب أمام متابعة سائر الملفات بين البلدين ويؤخرها الى امد غير معروف، وهذا في حال وردت هذه المتابعة في حساب السوريين. كما ان الملف الآخر الذي يسبغ أهمية مضاعفة على الموقف المسيحي يتعلق بموضوع "حزب الله" واستمرار سلاحه في موازاة سلاح الدولة واقوى منها ايضا والانحراف الذي اخذ ويؤخذ اليه المسيحيون على نقيض توجهاتهم التاريخية في هذا الصدد ومبادئهم الداعمة في المطلق للدولة السيدة المستقلة التي تحمي وحدها وجودهم وبقاءهم.