نشَأَتِ الأممُ المتحدةُ على انقاض عصبة الأمم ومن رحم تجارب الحرب العالمية الثانية. قام نظامُها ومنطقُ عملها على توازنات ما بعد الحرب، وكان دورُها الأساسي أن تلائمَ بين مصالح القوى الدولية لتمنعَ وقوعَ الحروب الكبرى مجدداً، فكان مجلسُ الأمنِ وأعضاؤه الدائمون وغيرُ الدائمين وكان حقُ الفيتو، الخ.
أما اليوم، وبعدَ ما يقاربُ الثلاثة أرباعِ قرن وبعدَ التطوُّر التكنولوجي الكبير والتحديات البيئية الهائلة وتبدُّلِ الحدود الجغرافية للعديد من الدول والتغيُّرات الديموغرافية، وبعد نشوءِ قوىً إقتصادية عالمية جديدة وتبدُّل التوازنات العسكرية والتحوُّلات السياسية الكبرى، وبعد أن صار الإرهابُ العدوَّ الأوَّلَ للمجتمعات البشرية على اختلافِها، أما حانَ الوقتُ لإجراء تعديلاتٍ على هيكلية الأمم المتحدة ومؤسساتِها وآليةِ صنعِ القرارِ فيها؟ أما حانَ الوقتُ لوضعِ نظامٍ جديدٍ للمؤسسةِ الأممية يأخذُ في الإعتبار المُتغيِّراتِ الآنفةِ الذكر وغيرِها مما طَرَأَ على العالم وعلى العلاقات والتوازنات الإقليمية والدولية؟ أليسَ الوقتُ مناسباً لوضعِ آلياتٍ مُلزِمَةٍ للدولِ الأعضاء في ما خَصَّ المشاركة النسبيَّة في المجهود الماليّ والتقنيّ والعسكريّ والبشريّ لحسن سير المؤسسة الدولية؟
من جهة أخرى، أما حانَ الوقتُ لتصيرَ الأممُ المتحدةُ مؤسسةً لا تتجاذبُها المصالحُ الدولية والإقليمية أقلّهُ في المسائل المتعلقة بالسلام وبحقوق الإنسان؟ إن تحديدَ الحالاتِ التي تتصرَّفُ فيها الأممُ المتحدة بشكلٍ آليٍّ وحاسم قد يصلُ الى حدِّ التدخل العسكري والعقوبات الإقتصادية عند استعمال اسلحة الدمار الشامل أو التعدي على سيادة إحدى الدول…، من دون الحاجة الى تصويتٍ من الدول الأعضاء، يُخرجُ مجلسَ الأمن من دائرة اللا قرار ويجعلُ منه مؤسسةً تنفيذيةً فاعلةً لا تكبِّلها التوازناتُ السياسية ولا مصالحُ الكبار، فلا يعودُ ثمةَ مجالٍ لمُرتكبِ الجرم أن يُفلِتَ من العقاب، ولا تعودُ ثمة حاجةٍ لأي دولةٍ في لعبِ دورِ الشرطيِّ العالميّ.
إن البشريةَ على عتبةِ عصرٍ جديدٍ لم تعرفْ له مثيلاً، فإن لم نعرفْ كيفَ نواجهُ تحدياتِهِ عَبرَ توحيدِ جهودِنا ضمنَ الأمم المتحدة، استفحلَ خطرُهُ على الإنسان وعلى مكتسباتِهِ الحضاريَّة.