مؤتمر شرم الشيخ شكّل رسالة حيال دينامية ديبلوماسية جديدة
انعكاسات إيجابية على لبنان تقلّص الأخطار الأمنية
شكل مؤتمر اعمار غزة الذي عقد في شرم الشيخ مطلع الاسبوع في حضور مسؤولين كبار من اكثر من 75 دولة تظاهرة دولية مهمة من حيث اعادة تعويم السلطة الفلسطينية بقيادة محمود عباس واعطاؤها دفعاً قوياً لانها المعبر الالزامي الذي لا بد منه في اي شاردة صغيرة او كبيرة في ما يتعلق بالاراضي الفلسطينية المحتلة.
هذه التظاهرة لم تصب في مصلحة حركة "حماس"، بل على العكس من ذلك خصوصا ان سوريا التي وقفت داعمة لأهم مطالب الحركة ابان الحرب الاسرائيلية على غزة، لجهة التشديد على استبدال القيادة الفلسطينية وعدم القبول حتى بمشاركتها ادارة المعابر، شاركت في المؤتمر وبدا وزير خارجيتها وليد المعلم سعيدا الى حد كبير بالانفتاح الاميركي الذي تلوح تباشيره في التحية التي ألقتها عليه وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون.
وبدا مؤتمر "دعم فلسطين رمز المقاومة وغزة ضحية الاجرام" الذي اقامته طهران بعد يومين على مؤتمر شرم الشيخ محاولة تأكيد ايرانية ان طهران معنية بقوة بالملف الفلسطيني، وان استبعادها عنه لن ينجح، وهذا ما يفهم منه، ليس ردا على المؤتمر فحسب بل ايضا على الموقف العربي القوي الذي عبّر عنه وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل، فيما كان يستعد لزيارة دمشق حليفة العاصمة الايرانية، من عدم وجوب الافساح لغير العرب بالتدخل في الشؤون العربية في فلسطين او لبنان او العراق، قاصداً بذلك التدخل الايراني المعروف في هذه الدول الثلاث. كما انه دعوة مماثلة لتلك التي استدرجت سوريا من خلالها المجتمع الغربي للتحاور معها بقوة وعلى نحو ملح في هذا التوقيت، باعتبارها تملك ورقة "حماس" ويمكنها التأثير عليها بعدما لمست رغبة الغرب القوية في انهاء ملف غزة والافساح في المجال امام عودة الامور للانتظام فلسطينيا بما يمكن أن يساعد في انطلاق المساهمة الاميركية ويشجّعها على الانخراط في الاهتمام بالصراع العربي الفلسطيني.
وفي هذا الاطار، لا تخفى رغبة طهران في ان تكون محاورا ولاعبا في هذا الملف من خلال امتلاكها ايضا اوراقا فلسطينية داخلية تتنافس في شأنها مع دمشق. وهذا يبدو مناسبا في موقف طهران في ضوء توجيه الدول الغربية دعوة اليها للتحاور في شأن ملفها النووي.
المؤتمر كان مناسبة ملائمة لإطلالة الادارة الاميركية الجديدة بقوة على الازمة في المنطقة من خلال مشاركة وزيرة الخارجية الاميركية ولقاءاتها مع عدد من المسؤولين العرب وزيارة الاراضي الفلسطينية واسرائيل ايضاً، وتوجيهها رسائل واضحة تشكل دعما قويا وملائما للمعتدلين العرب في سعيهم نحو سلام عادل في وجه المتطرفين العرب والاسرائيليين على حد سواء، بمن فيهم رئيس الوزراء الاسرائيلي المكلف تشكيل الحكومة بنيامين نتنياهو. وهذه الرسالة مهمة من حيث استعادة الولايات المتحدة المبادرة في هذا الاطار جنبا الى جنب مع الدول الغربية والعربية المهتمة. وهذا كلّه ساهم ويساهم في اطلاق دينامية مختلفة في المنطقة، وان تكن لا تزال في مراحلها الاولى، الا ان مؤشراتها حتى الآن مشجعة من حيث اظهار الدول الاساسية المعنية والمؤثرة رغبتها وقدرتها على الامساك بزمام الامور في المنطقة بدلا من المخاوف التي سادت ابان الحرب على غزة وغداتها كما في الاشهر الاخيرة من ولاية الرئيس الاميركي السابق جورج بوش.
بعض المصادر السياسية والديبلوماسية في بيروت باتت تأمل انعكاسات ايجابية لهذا المنحى على الوضع الداخلي، خصوصا عشية الانتخابات النيابية، اذ تضاءلت الى حد كبير المخاوف التي كانت سائدة حتى قبل اسبوع في شأن الموضوع الامني، خصوصا في ضوء تحوّل هذا الوضع والاستقرار الداخلي في لبنان أحد ابرز الشروط لتحرك الامور ايجابا عربيا واميركيا مع سوريا في الدرجة الاولى ومع طهران ايضاً.
وسيكون السلوك الذي ستتبعه القيادتان السورية والايرانية خلال الاشهر الفاصلة عن الانتخابات من ابرز المؤشرات الى التزام تعاون بناء في العناوين كما في التفاصيل، لن تستوي الامور معهما من دونه. وهذه المصادر لا تخفي في الوقت نفسه الاشارات المهمة التي شكلتها ويمكن ان تشكلها التطورات الاخيرة الى احتمال فوز قوى 8 آذار بالاكثرية النيابية في الانتخابات المقبلة، مع الأخذ في الاعتبار عدم قابلية المجتمع الدولي لاستيعاب أي خروج عن اطر معينة بالنسبة الى لبنان في حال كانت المعركة الانتخابية ستخاض من ضمن العناوين التي رفعتها هذه القوى في حملاتها على الاكثرية الحالية. والواقع ان شعار اسقاط الهيمنة الاميركية يستمر قائماً مع فتح الولايات المتحدة الخطوط والابواب نسبيا امام كل من سوريا وايران والاستعدادات السورية كليا للعودة الى الحظيرة العربية، بما يدحض ايضا الذرائع والحجج بالتصدي للمحور العربي الممانع لعرب ما يسمى بالاعتدال. اضافة الى ذلك، فان اضطرار حركة "حماس" الى الانضواء مع السلطة الفلسطينية من ضمن المصالحة الفلسطينية – الفلسطينية كشرط ضروري لانتظام الامور في ظل التحولات العربية وحتى التحولات الايرانية المحتملة، وان غير الاكيدة حتى الآن، من شأنه ان ينزع عنوانا آخر هو حتمية اللجوء او الاستمرار في المقاومة في المستقبل القريب وفرض الديبلوماسية السياسية نفسها مجدداً، مما ينزع عنوانا آخر من العناوين المهمة في التوظيف الداخلي اللبناني لدى قوى 8 آذار.
هذه المتغيرات المتسارعة توقعتها مراجع لبنانية رسمية قبل حين في اطار سؤالها عن المخاوف التي تحوط بالداخل اللبناني عشية الانتخابات في ظل التعقيدات الاقليمية خصوصا، وكانت اجابتها مطمئنة الى حد ما في ضوء تحولات اساسية محتملة في الاشهر الفاصلة عن الانتخابات. وهو الامر الذي يحتمل ان ينسحب ايضا على المدة الفاصلة عن موعد 7 حزيران المقبل.