العقدة النفسية من المحكمة الدولية
المحامي جورج ابو صعب
من متابعة موضوع افتتاح المحكمة الدولية الخاصة بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري وما اعقبها من جدل حول مذكرة التفاهم بين الحكومة اللبنانية والمحكمة الدولية، ينتابنا العجب الكبير من حالة الذعر المستمر لدى اطراف 8 اذار وخاصة ازاء مذكرة التفاهم التي تأتي كتفصيل امام اقرار نظام المحكمة الدولية.
ومع ذلك وان كان من حق الوزير مناقشة المذكرة وابداء الملاحظات عليها لكن ليس من حقه ان يتذرع بالمناقشات لتعطيل او تأخير التوقيع على المذكرة.
فلقوى 8 اذار نقول: لقد مضى على التحقيق الدولي في الجريمة اكثر من اربع سنوات وتعاقب عليه اكثر من ثلاثة محققين وصدرت عشرات التقارير ووصلنا اليوم واعتبارا من 1 اذار الى اطلاق المحكمة الدولية. فماذا يتوقعون بعد اكثر من ذلك كي يناقشوه؟ فالاساس والاهم حصل والمحكمة باتت واقعا لا يمكن تجاهله. فاين المشكلة لديهم بعد؟
بالامس استهزأ المندوب السوري لدى الجامعة العربية بالمحكمة معتبرا اياها ملعب كرة قدم وحفل الافتتاح في 1 اذار فولكلورا. فعلى افتراض جدلي بان هذا صحيح وبان المحكمة ليست مجهزة لوجستيا بعد للبدء الفعلي باعمالها، لماذا هذا الموقف المستهزئ الذي يحمل في طياته بذور الشك بالنوايا السورية لا بل بذور النقمة السورية على تلك المحكمة؟
فليتذكر الاخوان السوريون بان المحققين برامرتس وبلمار لم يتهما الى الان علنا النظام السوري وما زال تحقيقهم سريا وقد كان عملهما ولاسيما المحقق بلمار على درجة عالية من المهنية والموضوعية لدرجة ان دمشق ابدت اكثر من مرة ارتياحها من سير التحقيق ومن عمل المحقق الدولي.
ونذكر السوريين ومعهم قوى 8 اذار الى انه والى الان لم يتهم اي منهم علنا ولم توجه الى اي منهم تهمة ولا حتى ايماء بتورط ما مما كان بالامكان لو حصل ان يفسر الموقف المناوئ للمحكمة الى هذا الحد.
يضاف الى ذلك ان دمشق لطالما اعتبرت نفسها غير معنية بالمحكمة الدولية ولا بسير تحقيقاتها وهي لا تخاف من شيء لان لا علاقة لها باغتيال الرئيس الحريري ورفاقه لا من قريب ولا من بعيد. وبالتالي وطالما انها أكيدة من موقفها وبراءتها وبالتالي براءة حلفائها في الداخل اللبناني، فلماذا هذا القلق وهذا التعبير عن عقدة المحكمة الدولية المتحكمة في نفوس البعض الى حد الذعر من مذكرة توقيف ليست سوى مذكرة تطبيقية لنظام المحكمة الدولية الذي أقر لبنانيا ودوليا؟.
ان المشكلة لدى النظام السوري تكمن في انه يعتبر ان كافة الانظمة السياسية والقانونية في العالم هي على صورة نظامه هو: فالنظام السوري لا يقتنع بان ثمة في العالم قضاء مستقلا غير مسيس. كما ان نظام دمشق لا يؤمن بان ثمة دولا وانظمة قضائية في تلك الدول لا تقبل المداخلات والضغوط من اي نوع كانت ومن اي جهة اتت ومهما عظم شأنها، وهي تحترم حقوق الانسان وتفيدهم من محاكمات متكافئة وعادلة وقانونية. فالقضاء في لاهاي لن يكون كمثل القضاء السابق في محاكمة الدكتور سمير جعجع ايام الوصاية لا بل القبضة الحديدية السورية في لبنان، والاتهام في لاهاي سوف يكون اتهاما موضوعيا مبنيا على ادلة وقرائن واثباتات دامغة. وسوف يستفيد اي متهم من دفاع قانوني كامل
ومتكامل، وسوف يكون الموقوفون والمتهمون محجوزين في زنزانات صحية ومعدة وفق المعايير العالمية لاحترام الجنس البشري وكرامته. وبالتالي يجب على نظام دمشق ان يقتنع بان المحاكمات في لاهاي سوف تكون على صورة التحقيقات الدولية مع برامرتس وبلمار ان لم يكن افضل منها.
لذلك لا نرى ضرورة بعد اليوم لهذه الحالة من الذعرلدى قوى 8 اذار وحالة الاستهزاءوالاستخفاف بالمحكمة الدولية خاصة وان الرئيس الحريري كما داب نظام دمشق وحلفائه في لبنان على قوله اكثر من مرة وفي اكثر من مناسبة كان صديق سوريا وقوى 8 اذار تعتبره شهيد كل الوطن وليس فقط شهيد 14 اذار وثورة الارز – فاقله ان يكون هذا النظام وحلفائه ولولمرة منطقي مع نفسه ولتوقع مذكرة التفاهم: فكفى اللبنانيين عبثا بحقوقهم واستهتارا بمصالحهم وكرامتهم .