جنرال من ورق
مارون ناصيف
بالأمس وانا استرجع ذكرياتي في منفاي الباريسي لسعتني بعوضة اعادتني الى صوابي، فأنا لم اهرب الى فرنسا ولم انف الى هناك. ولكن لبرهة تخيلت نفسي بأني جنرال قد الحملة وزيادة اين منه الجنرال مونتغمري او اي جنرال اخر في العالم، تخيلت نفسي راكبا على مدفع دبابة او ممتطيا صاروخ غراد عيار 122 ملم قاصدا قصر المهاجرين بعدما هددت حافظ الأسد بتكسير رأسه ولا زلت عند وعدي فأنا لا احيد او اتنحى عن اية مهمة اوليها الى نفسي او يوكلها الناس الي.
هذا ما قررته الجموع المحتشدة حولي في قصر اسميته قصر الشعب واستحضرت لاحياء لياليه الملاح الألاف من الزجالة والدجالة، يكفي الصندقلي وما شابهه. عندها صعدت الدماء الى رأسي وارتفع ضغطي وهو من فئة نادرة لا يمكن الحصول عليها الا بعد شتيمة وطعن كل من وقف الى جانبي، لهذا سميت نادرة الوجود لأني الوحيد الذي يحملها.
شردت بي الذاكرة الى الرفاق الذين سقطوا دفاعا عن وطن حلموا به ودفاعا عن مبادئ استشهدوا لأجلها وأنا اتنقل من جبهة الى جبهة، من قرص المدور الى تلة تلات تمانات الى بدادون الى الفياضية الى عاريا الى بعبدا وسبنيه والحدث وكفرشيما اشاهد الرفاق يسقطون وهم رافعي الرأس ممسكين ببنادقهم والدماء تسيل، تخيلت كل هذا كيف تركتهم وادبرت هاربا. فكرة راودتني وافكار تذهب يمينا واخرى تأتي من حيث لا اتوقع وقد اخذ مني النعاس كل ما استجمعته من طاقة خصوصا يوم اوعزنا للشباب بالصعود الى بكركي والعمل على اهانة اكبر مرجعية مسيحية في هذا الشرق وعدّ ذلك انتصارا الهيا مما ادى هذا الى التوقيعات الألهية مع ولي الفقيه في ما بعد.
من هنا استنتجت بأني ذو رؤى مستقبلية لا يمكن نكرانها وغصت عميقا في ذاكرتي التي اتلفتها من كثرة المسكنات والمهدئات وما جادت علي به تريزيا في دير الصليب بعد وصفة مغلقة من الدكتور مانوكيان.
وعفوا لبعض الشطط في بعض المواقف وكل الحق على (صهري جبران البضل يضحك رايتو يسلملي رافعلي راسي) لأنني لا استطيع رفعه اكثر من ارنبة انف للأسف لم اتعود على ذلك بعدما سمعت من البعض بأن الموت وراسنا مرفوع خير من الف عيشة ذل.
وبما اني احب الحياة والوانها الزاهية واجملها البرتقالي فضلت ان اعيش كما انا وبلا وجع رأس. علي دوما ان ابحث عن ضحية جديدة من اقرب المقربين الي واخلص المخلصين كي ارتاح لأني اعتدت هذا النوع من البطولات.
وكم من الليالي بقيت يقظا في حلم على ضفاف السين ومرابع الحي اللاتيني وتحت قوائم برج ايفيل، وكم تمنيت الصعود الى اعلى قمته ولكن الدوار كان يمنعني والست بينشغل بالها علي لذلك كنت افضل البقاء متمسكا بذراعيها وهي تتمتع بذراعين اين منها اذرع فرسان الطاولة المستديرة او اذرع ابطال المقاومة خصوصا بعد ورقة التفاهة معهم.
ولكن صدقوني لم تغب عني ولا مرة صورة الاف البشر وهم يصرخون بأصوات عالية وعالية (نحنا هون مهما العالم قالوا ما منترك عون ولا منرضى بدالوا) هذا الشعب الجبان الذي خذلني عند اول امتحان جدي تركني وهرب افرنقع عني، لم يصمد هذا الشعب لم يدافع عن قصر الشعب، بينما كنت اتحضر للمغادرة عند الساعة الثامنة وتلات وعشرين دقيقة عندما حلقت طائرتي سوخوي فوق القصر، هذا الشعب ضيعان كلمة يا شعب لبنان العظيم التي حفظني اياها الجنرال ابو جمرا اكثر من مرة، وكم وضع من النقاط على الحروف رافضا المغادرة قبل حصوله على شنطة من المال النظيف يمكن فيها شي 225 مليون دولار وطبعا هذه مصاريف وتكاليف السفر وبعض الهدايا للمحاسيب.
هذا كله لا يهم المهم اني عدت بعدما اقنعني بذلك كريم بقر دوني واميل اميل لحود ومحمود ناصيف والبير منصور وميشال سماحة، طبعا لن ننسى غالب ابو زينب واتصالاته التي لم تنقطع معي لاستشارتي في الاستراتجية الدفاعية.
هل صدقتم اللآن كم استشف المستقبل هذا قبل 15 سنة كيف اليوم بعد ما تفاهمنا وكنت متل الصبي مع خالتو حد السيد حسن عيب يجب ان نقول السيد حتى ما نزعلهم. وبقي علي واجب واحد يجب ان اؤديه هو التخلص من بكركي ورمزيتها وأشخاصها ويجب القضاء على كل صاحب فكر وعقل وموقف كي لا اناقش وأظهر بمظهر جنرال من ورق، علما بأن الورق يلزم عند الحشرة اما انا لا بالعير ولا بالنفير.
وهنا تقدمت مني زوجتي وهزت السرير بعنف قائلة لي شو بك متنبل ونايم قوم بدنا نروح نزور سيدة لبنان لأنو اليوم 13 تشرين بدنا نشكرها يلي خلصتنا منو. وهنا عدت من احلام يقظتي، لا جنرال ولا من يحزنون، انا مجرد مواطن لم يصفق لأحد ولعن الله التخيلات الصبيانية وسامحني ياربي لأني اعتقدت لوهلة بأني هذا الجنرال.