التحرك السعودي: صلح عربي مع سوريا جديدة
شروط تقارب العرب مع الأسد تحمي لبنان والمحكمة
نقلت مصادر ديبلوماسية وثيقة الاطلاع في باريس عن مسؤول عربي كبير قوله لجهات دولية رسمية "ان السعودية ترفض عقد صلح منفرد مع نظام الرئيس السوري بشار الاسد على حساب المصالح الحيوية المشروعة للبنانيين والفلسطينيين، كما ترفض اي مصالحة شكلية من دون تفاهمات واضحة على القضايا المطروحة. بل ان السعودية تعمل من اجل صلح عربي واسع يستمر الى ما بعد القمة العربية في الدوحة المقرر عقدها في نهاية هذا الشهر ويكون على اساس قاعدة تفاهم واضحة ومحددة تؤدي الى تراجع النظام السوري عن سياساته وتوجهاته السلبية والخطرة وتجعله يلتزم مجموعة مطالب وتعهدات بما يساعد على توحيد الصف العربي وتطويق المد الايراني المتشدد في الشرق الاوسط واضعافه والتعامل بموقف عربي موحد مع تحديات وتهديدات مختلفة يمكن ان تتعرض لها المنطقة في المرحلة المقبلة مع مجيء ادارة الرئيس باراك اوباما وتأليف حكومة اسرائيلية جديدة متشددة ايا تكن تركيبتها".
وأوضحت ان "اي مصالحة سعودية ومصرية وعربية مع الاسد لن تتم على اساس تقبل المطالب والشروط السورية المتعلقة بلبنان وفلسطين وايران وقضايا المنطقة عموما بل على اساس تقبل النظام السوري المطالب العربية المدعومة دوليا والمتعلقة بهذه القضايا واعتماد سياسات جديدة حيال قضايا المنطقة".
وشدد المسؤول العربي الكبير خلال اتصالاته الاوروبية والدولية على مسألتين اساسيتين هما:
اولا – ان العالم العربي ليس منقسما بين معسكرين عربيين الاول معسكر المعتدلين بقيادة مصر والسعودية والثاني معسكر الصامدين والممانعين بقيادة سوريا. الواقع ان ثمة كتلة اساسية تضم الغالبية الكبرى من الدول العربية ومنها مصر والسعودية والاردن ومعظم دول الخليج وهي تعتمد سياسات معتدلة وواقعية وتحترم قرارات الشرعيتين العربية والدولية وتحرص على الدفاع عن الامن والاستقرار والمصالح العربية العليا وتعمل من اجل السلام. وفي المقابل ثمة كتلة عربية صغيرة تضم فقط سوريا ودولة او دولتين عربيتين اضافة الى دولة غير عربية هي ايران وتؤدي اعمالها وممارساتها ومواقفها الى شق الصف العربي وخدمة مصالح الجمهورية الاسلامية والقوى المتشددة في المنطقة.
ثانيا – ان الاتصالات التي تجريها السعودية ودول اخرى مع "نظام الاسد تهدف ليس الى مكافأة هذا النظام على سياساته ومواقفه بل تهدف الى محاولة اعادة سوريا الى موقعها الطبيعي اي الى الصف العربي بدل ان تكون جزءا من الاستراتيجية الايرانية الخطرة في المنطقة. وفي هذا المجال رأى المسؤول العربي "ان العقدة الكبرى التي يعانيها نظام الاسد هي انه يريد ان يقنع نفسه والآخرين بان لسوريا دورا محوريا في ادارة شؤون المنطقة. وهذا ليس صحيحا. فالحقيقة ان النظام السوري له دور مخرب ومعطل اذ انه قادر مع ايران وحلفائهما على اثارة المشاكل والاضطرابات الامنية وزرع عدم الاستقرار واشعال الحرائق وتفجير او تأجيج الصراعات بين ابناء الشعب الواحد في عدد من الساحات الاقليمية بينها لبنان وفلسطين. لكن النظام السوري ليس قادرا على صنع الاحداث وتغيير المعطيات وموازين القوى في المنطقة لمصلحته كما انه ليس قادرا على تسوية المشاكل والنزاعات في اي ساحة عربية وفقا لتصوراته ورغباته. وقد اثبتت تطورات الاحداث ان النظام السوري عاجز كذلك عن ان يسجل مع حلفائه اي انتصار سياسي او ديبلوماسي او من اي نوع في الصراع مع الدول العربية المعتدلة، كما انه عاجز عن فرض اي مطالب على هذه الدول. بل ان النظام السوري هو الذي يحتاج الى مساعدة دول اخرى بارزة ومؤثرة عربية او اجنبية لتسوية مشاكله الاساسية سواء مع اسرائيل او مع المجتمع الدولي او مع خصومه اللبنانيين والفلسطينيين او مع اوضاعه الداخلية الاقتصادية والمالية والاجتماعية". واضاف: "ان ايران قادرة على دفع النظام السوري الى القيام بدور سلبي تعطيلي في المنطقة، لكنها عاجزة عن مساعدته على حل اي من مشاكله. ذلك ان ايران تستخدم سوريا وحلفاءها اللبنانيين والفلسطينيين لمحاولة تحقيق طموحاتها الاقليمية التوسعية وتنفيذ مخططاتها في المنطقة. كما ان الولايات المتحدة والدول الغربية الاخرى تريد استخدام سوريا لاضعاف النظام الايراني والقوى المتشددة في الشرق الاوسط. هذا هو فعلا حجم الدور السوري وطبيعته".
المطلوب لبنانياً وفلسطينياً من الأسد
وأفادت مصادر ديبلوماسية عربية مطلعة على مضمون الاتصالات العربية مع سوريا ان اي مصالحة سعودية او مصرية او عربية مع نظام الاسد يجب ان تستند، كي تتحقق وتستمر، الى قاعدة تفاهم تتضمن المطالب العربية الآتية:
اولا – على الصعيد الفلسطيني، ضرورة تخلي نظام الاسد عن موقفه الداعم كليا لحركة المقاومة الاسلامية "حماس" والعمل مع الدول العربية الاخرى على انهاء دولة "حماس" المستقلة في قطاع غزة بالوسائل السلمية المشروعة اي عبر انهاء الانقسام وتوحيد الموقف والقرار في الساحة الفلسطينية وتحقيق المصالحة بين هذه الحركة الانقلابية والسلطة الوطنية الفلسطينية الشرعية برئاسة محمود عباس وذلك من خلال الاعتماد على الجهود المصرية المدعومة عربيا. ويتبع ذلك تأليف حكومة وحدة وطنية فلسطينية مقبولة دوليا وتحترم الاتفاقات الموقعة بين الفلسطينيين واسرائيل وتعمل من اجل رفع الحصار واعادة اعمار غزة وتحديد موعد قريب لاجراء انتخابات نيابية ورئاسية فلسطينية في وقت واحد لتأمين بروز تركيبة حكم جديدة في الضفة الغربية وغزة. وموافقة النظام السوري على هذه المطالب العربية تعني تراجعه عن مواقفه الحالية المتفق عليها مع ايران والهادفة الى ادامة الانقسام الفلسطيني واضعاف السلطة الفلسطينية وانهاء دور رئيسها وتعطيل اي جهود لحل النزاع الفلسطيني – الاسرائيلي بالوسائل السلمية.
ثانيا – على صعيد النزاع مع اسرائيل، المطلوب عربيا مواصلة التزام خيار السلام والتمسك بمبادرة السلام العربية والامتناع عن القيام بمغامرات عسكرية غير مدروسة او محسوبة كما حصل في لبنان وغزة، خصوصا ان الدول العربية الاخرى ومنها سوريا ترفض اعتماد خيار الحرب مع الدولة العبرية. ووفقا لما قاله مسؤول عربي بارز لمسؤول سوري: "ان التخلي عن مبادرة السلام العربية من دون اعتماد خيار الحرب يعني الموافقة الضمنية على بقاء الاراضي الفلسطينية والسورية واللبنانية تحت الاحتلال الاسرائيلي. وهذا خيار استسلامي". ولاحظ "ان التخلي عن مبادرة السلام العربية هو مطلب ايراني هدفه تعطيل حل النزاع العربي – الاسرائيلي سلميا. والواقع ان مبادرة السلام العربية تؤمن الدعم الدولي للعرب وللفلسطينيين في صراعهم مع اسرائيل وهي لم تتضمن اي تنازلات للاسرائيليين اذ انها تتمسك بضرورة تأمين كامل الحقوق العربية والفلسطينية المشروعة في مقابل تحقيق السلام مع اسرائيل ولذلك تحرج هذه المبادرة العربية المسؤولين الاسرائيليين".
ثالثا – لبنان موضوع اساسي في الحوار السعودي – المصري – السوري. والمطلوب عربيا من نظام الاسد الالتزام الفعلي لاحترام استقلال لبنان وسيادته واعادة العلاقات الطبيعية جديا في مختلف المجالات مع هذا البلد بما يؤمن المصالح المشروعة للبلدين والتخلي عن نزعة الهيمنة عليه ودعم جهود الرئيس التوافقي ميشال سليمان. والمطلوب ايضا من النظام السوري الامتناع عن استخدام لبنان ساحة مواجهة مفتوحة مع اسرائيل ودول اخرى خدمة لمصالح المحور السوري – الايراني والتوقف عن تحريض حلفائه على استخدام السلاح والعنف ضد القوى الاستقلالية وتسهيل اجراء الانتخابات النيابية في 7 حزيران المقبل في اجواء سلمية ملائمة وفي اشراف مراقبين دوليين.
رابعا – بالنسبة الى المحكمة الخاصة بلبنان المكلفة النظر في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه وفي جرائم سياسية اخرى، ليست لدى اي دولة عربية معنية بالامر رغبة في عقد "صفقة ما" مع سوريا تعطل عمل المحكمة، بل ان السعودية ومصر ودولا عربية اخرى معنية بالامر تريد تحقيق العدالة ووقف مسلسل الاغتيالات وتنصح نظام الاسد بالتعاون الكامل مع المحكمة.
اي علاقة عربية مع ايران؟
خامسا – بالنسبة الى الحرب على الارهاب تريد الدول العربية المعنية الحصول على التزامات واضحة من المسؤولين السوريين للتوقف عن استقبال مجموعات كبيرة من الجهاديين الآتين من السعودية ودول عربية اخرى وايوائهم وتدريبهم تمهيدا لارسالهم وللسماح لهم بالانتقال الى العراق ولبنان وبعض الدول الخليجية والعربية الاخرى. وتملك جهات عربية رسمية معلومات وادلة ووثائق واعترافات لعدد من المعتقلين تؤكد قيام السلطات السورية بهذا الدور الداعم سرا للجهاديين المنتمين الى "القاعدة" او تنظيمات اخرى. واكدت المصادر الديبلوماسية العربية المطلعة ان مصير العلاقة التحالفية الوثيقة بين سوريا وايران يحتل موقعا بارزا في الاتصالات العربية الجارية مع نظام الاسد وان الموقف السعودي – المصري من ايران والمدعوم عربيا على نطاق واسع يرتكز على النقاط الاساسية الآتية:
اولا – ضرورة التعامل عربيا مع ايران على اساس انها دولة مهمة في المنطقة ولكن ليس على اساس انها الدولة المهيمنة على المنطقة التي تستطيع ان تفرض مطالبها وشروطها على دولها. ومن الضروري التضامن عربيا ضد السياسات المتشددة للنظام الايراني التي تهدد الامن والاستقرار وتؤدي الى زرع الشقاق في عدد من الدول والى التدخل سلبا وبشكل خطر في ساحات اقليمية ساخنة كلبنان وفلسطين والعراق او في بعض الدول الخليجية كالبحرين والامارات العربية المتحدة.
ثانيا – من الضروري ان تؤدي المصالحة العربية الى منع ايران من استخدام اطراف عرب لشق الصف العربي واضعاف الموقف العربي الموحد في التعامل مع التحديات والتهديدات المختلفة.
ثالثا – الحرص على اقامة علاقات جيدة ومتطورة في مجالات عدة مع ايران شرط ان تقوم بدور "الجارة الصديقة" التي تحترم مبادئ حسن الجوار وسيادة الدول العربية واستقلالها وتمتنع عن التدخل في شؤونها وقراراتها وعلاقاتها الدولية، كما تمتنع عن التحريض على العنف واستخدام السلاح لضرب السلطات الشرعية في هذا البلد او ذاك ولمحاولة تغيير الاوضاع وموازين القوى لمصلحتها في الساحات اللبنانية والفلسطينية والعراقية وغيرها.
رابعا – المصالحة العربية تتطلب التعامل بموقف عربي حازم وموحد مع اي تدخلات ايرانية سلبية وغير مشروعة في شؤون دول عربية حفاظا على المصالح العربية العليا وعلى الامن القومي العربي.
خامسا – القيام بجهود عربية مشتركة، في اطار المصالحة لاقناع القيادة الايرانية بوضع حد لمساعيها الهادفة الى انتاج السلاح النووي وتشجيعها عوض ذلك على التعاون مع المجتمع الدولي ومع الوكالة الدولية للطاقة الذرية لايجاد تسوية ديبلوماسية لمشكلتها النووية مع الدول الكبرى تؤمن للايرانيين مصالحهم وتضمن لهم امتلاك مشروع نووي للاغراض السلمية والمدنية، وهو ما يحمي المنطقة من حرب مدمرة محتملة في حال اصرار النظام الايراني على تحدي المجتمع الدولي ومواصلة خططه لامتلاك سلاح نووي.
واكدت المصادر الديبلوماسية العربية المطلعة ان السعودية ومصر والدول العربية الاخرى المعنية بالامر "لم تطلب ولن تطلب من نظام الاسد قطع علاقاته مع ايران بل انها تريد منه ان يعتمد موقفا من الجمهورية الاسلامية ينسجم والموقف العربي العام بحيث يعطي الاولوية لتأمين المصالح العربية العليا وليس لتأمين المصالح الايرانية في المنطقة. فالعلاقة السورية الجيدة مع ايران يجب ان تكون في خدمة المصالح السورية الحقيقية والمصالح العربية".
وقد اكد مسؤول عربي كبير "ان المصالحة العربية ليست مجرد ابتسامات وكلام. فلن تتحقق فعلا المصالحة الجدية بين سوريا ومصر والسعودية ودول اخرى ما لم تكن قائمة على اساس الثقة المتبادلة المفقودة حاليا، وما لم يلتزم نظام الاسد فعلا الوعود التي يقطعها للدول الاخرى، وما لم يقبل الرئيس السوري باجراء تغييرات اساسية وجذرية في سياساته حيال قضايا المنطقة بما يجعل سوريا مجددا جزءا من الكتلة العربية الواسعة عوض ان تظل جزءا من كتلة صغيرة محدودة التأثير تخدم مصالح ايران وتزرع عدم الاستقرار في المنطقة.
ان مشروع المصالحة العربية يشكل تحديا كبيرا لنظام الاسد وليس هدية عربية له".