نهج التفاوض الدبلوماسي الاميركي: تبديل في الاسلوب وليس في ثوابت السياسة الاميركية
تجاوب ايران وسوريا مع هذه الفرصة ليس سهلاً لكن تعطيلها يبدو اكثر صعوبة
ترى مصادر دبلوماسية غربية ان منطقة الشرق الاوسط قد تكون في طور الدخول في مرحلة جديدة، بعد تولي الرئيس الاميركي باراك اوباما لمهماته، واعلانه اعتماد ادارته تجربة نهج الانفتاح الدبلوماسي مع كل من سوريا وايران، لمقاربة المشاكل والقضايا الدبلوماسية مع كل من سوريا وايران، لمقاربة المشاكل والقضايا المختلف عليها مع الولايات المتحدة الاميركية والمتعلقة بأزمات المنطقة، لا سيما منها الازمة الاساسية، ازمة الصراع العربي – الاسرائيلي، والازمات الفرعية وخصوصاً في الاراضي الفلسطينية والعراق ولبنان، ومحاولة مقاربة هذه المشاكل بالحوار وتبادل وجهات النظر وطرح مخارج الحلول المطلوبة، بدلاً من النهج <التصادمي> الذي اعتمدته الادارة الاميركية للرئيس جورج بوش والمرتكز على سياسة المقاطعة الدبلوماسية وفرض العقوبات الاقتصادية والتجارية على هاتين الدولتين، على امل ان يؤدي النهج الجديد للادارة الاميركية الحالية الى تبديد حالة التشنج القائمة وكسر الجمود السائد في العلاقات، بما يساعد على بلورة تصورات اكثر وضوحاً للدول المعنية، بما يسهل في النهاية في وضع مخارج الحلول المطلوبة لهذه الازمات التي تزداد تفاقماً مع مرور الوقت.
وفي اعتقاد المصادر الدبلوماسية، ان نهج الانفتاح الدبلوماسي الاميركي، ما يزال في بدايته، ومعرفة المنحى الذي سيسلكه، يتطلب وقتاً، كون المشاكل القائمة في المنطقة معقدة ووجهات النظر بشأنها متباعدة، ولا بد من الإنتظار لبعض الوقت، لتلمس الطروحات المعروضة على بساط التفاوض الدبلوماسي، ومدى قابلية التجاوب معها ووضعها موضع التنفيذ الفعلي، لا سيما وأن هناك تداخلاً لمصالح وطموح لادوار ونفوذ مستقبلي لتسهيل الحلول المطروحة لهذه الأزمات وعلى حساب العرب، كما تسعى لذلك إيران علناً من خلال تدخلها الفاضح وتمويلها لقوى وأطراف معروفة في كل من فلسطين والعراق ولبنان.
وتصف المصادر المذكورة بأن ما يجري حالياً، هو مرحلة جس نبض بين الأطراف المعنيين واستكشاف نوايا كل منها باتجاه الآخر، قبل الإنتقال الى مرحلة إتخاذ المواقف النهائية مما هو مطروح حالياً، وهذا يعني في النهاية الإنتقال الى مرحلة إتخاذ القرارات السياسية من مسألة التعاطي بين الولايات المتحدة وكل من إيران وسوريا والنهج المستقبلي المتبع مع الإدارة الأميركية، ان كان على صعيد العلاقات الثنائية مع كل من هاتين الدولتين، أو بالنسبة للأزمات القائمة في المنطقة، وإن اختلفت مصالح كل منها تجاهها.
ولكن هناك متسع من الوقت بين مرحلة استكشاف النوايا واتخاذ القرارات النهائية، لا بد وأن يتخلله الأخذ بعين الاعتبار، الفرصة المؤاتية، لايجابية المنحى الاميركي التفاوضي واستغلالها، للولوج منها الى تجاوز كل ما أدى الى تردي العلاقات بين الولايات المتحدة وكل من ايران وسوريا والتأسيس لعلاقات ثنائية مستقبلية، تختلف عن كل ما أحاط بها من ترسبات سلبية على مدى العقود الثلاثة الماضية وتأخذ بعين الاعتبار مصالح دول المنطقة كل على حد سواء، وليس لصالح دول دون اخرى، او على حسابها كما يحصل اليوم.
ومن وجهة نظر المصادر الديبلوماسية الغربية، فإن هذه الفرصة، ليست متاحة في كل وقت، ولذلك فإن الادعاء بعدم جدواها او تعطيلها، كما يروج البعض حالياً، لا يمكن الاستناد اليه او اعتماده كموقف نهائي، لانه ليس كذلك على الاطلاق، بل يرتكز الى استباق المفاوضات الديبلوماسية المعمقة التي ستبدأ بين الادارة الاميركية وكل من ايران وسوريا على حدة، لتحسين شروط هذه المفاوضات، كما يحصل عادة بين اي دولتين تتفاوضان لحل مشكلة او نزاع ما، او لتبرير التنازلات التي تحصل من خلال هذه المفاوضات، والتراجع عن المواقف الجامدة منها، امام الرأي العام، وهذا أمر طبيعي وليس مستغرباً على الاطلاق.
ويأتي في هذا الاطار كذلك، الترويج من قبل سوريا وايران، بأن الانفتاح الاميركي التفاوضي، انما هو بمثابة تراجع من قبل الادارة الاميركية تجاه هاتين الدولتين وانتصاراً لسياساتهما وممارساتهما في تأجيج ازمات المنطقة المتعددة، في حين ان الوقائع الحاصلة من خلال الاتصالات واللقاءات الاولية بين مسؤولين سوريين والادارة الاميركية تظهر ان تبديل آلية التعاطي الشكلي بين البلدين لم تلامس تغييراً في ثوابت السياسية الاميركية من ازمات المنطقة، بل تشبثاً في التأكيد عليها واصراراً على السير بها قدماً الى الامام.
وتخلص المصادر الدبلوماسية الغربية الى القول ان انتظار نتائج قريبة لنهج التقارب وتحسين العلاقات بين الولايات المتحدة وكل من سوريا وايران، ليس بالسهولة التي يتوقعها البعض، وان كان تعطيل فرصة تحسين هذه العلاقات يبدو اكثر صعوبة ايضاً.
ولذلك،لا بد من ترقب كيفية حصول تحسين هذه العلاقات من جهة، وكيفية ممارسة دور كل من ايران وسوريا في التعاطي مع مسألة الصراع العربي الاسرائيلي عموماً، والتخلي عن تدخل كل منهما في لبنان والعراق وفلسطين من جهة ثانية.
إذ لا يمكن حدوث التقارب الذي يحكى عنه، بمعزل عن تحقيق مطالب وشروط اميركية معلنة من قبل هاتين الدولتين، واذا لم يحصل ذلك ولو على دفعات، ستبقى الاوضاع متأزمة في المنطقة، وتتجه الى مزيد من الفوضى وعدم الاستقرار مستقبلاً.
ولكن يبدو من خلال المقدمات التي سبقت مرحلة الانفتاح الدبلوماسي الاميركي تجاه كل من سوريا وايران، وحضورها لاكثر من اجتماع مع الجانب الاميركي خص لبحث تحسين الوضع الامني في العراق، وهو ما حقق تقدماً ملموساً في هذا الخصوص كما هو ضاهر حالياً، يدل على ان هذا النهج الاميركي الجديد كان مطلباً لكل من الدولتين المذكورتين، سراً وعلناً، وان تعطيله او اغلاق الباب في وجهه، ليس في صالح اي منهما على الاطلاق.