#adsense

الروس قبل الأسد راغبون في التملّص من أي “مبادرة”

حجم الخط

استندت إدارة الرئيس جورج بوش الابن الى “نظرية الاستباق”: ينبغي استباق الأخطار، وعلى رأسها خطر التقاء مصالح نظام مارق مع شبكة إرهابية، وخطر تمرير أسلحة دمار شامل من هذا النظام الى تلك الشبكة على وجه التحديد. “الاستباق” يكون بالحرب الاستباقية.

في المقابل، جنحت إدارة الرئيس باراك أوباما الى ربط الوجهة الوحيدة لاستخدام القوة الأميركية بالردّ على ما هو “سابقة خطيرة”. مثلاً، القمع الدموي الذي مارسه معمّر القذافي ضد الثائرين عليه يمثّل “سابقة” من جهة استخدام السلاح الجوي ضد الأهالي، بهذا الشكل الفاضح والواسع النطاق، فجرى إعلان الحظر الجوي والتأسيس عليه تدخلاً حربياً سرّع في إنهاء نظام العته.

وفي سوريا، اعتبر أوباما أن “السابقة” المنتظرة تتمثّل باستخدام النظام للسلاح الكيماوي ضد الأهالي. طبعاً هنا، غض أوباما الطرف عن استخدام السلاح الجوي السوري، معطياً بالتالي للنظام السوري امتيازاً لم يكن معقوداً لمعمر القذافي. جعل “السابقة” كيماوية فقط. وعليه هلّل من هلّل، وعارض من عارض، بأن الضربة الأميركية آتية.

لكن ما تمخّضت عنه المبادرة الروسية هو بالأحرى “سابقة – مسخ”: فالسابقة لم تعد أن بشار الأسد استخدم الكيماوي ضد الغوطتين، بل إنه يمكنه بعد ذلك أن يكون جزءاً من تسوية يجري التحفظ من خلالها على ترسانته الكيماوية، وبالتالي مساعدته في عدم سقوطها في يد أخصامه، ومساعدته في تحصيل أهلية ما من جديد في تقدير درجة تعاونه أو عدم تعاونه مع “المجتمع الدولي”.

هذه هي السابقة إذاً: الطاغية الذي قتل الناس بغاز السارين، صار يُنظر اليه بمعيار جديد في إثر ذلك، أي معيار تعاونه أو عدم تعاونه على وضع سلاحه الكيماوي في الإقامة الجبرية.

لكن مع كل هذا، فالنظام غير جاد، وكذلك الروس، في أي موقف من شأنه تدويل الترسانة الكيماوية السورية. فهذا النظام سبق له في الأسابيع الماضية، يوم بدت الضربة ماثلة أمامه، أن هدّد بتدمير كذا دولة في المنطقة. لكن لو سلّمنا جدلاً أنّه تخلى عن غاز السارين فإنه يلغي بذلك شريانه الداخلي، أكسير حياته، ولن يستطيع في إثر ذلك لا السيطرة على توازن القوى مع الحركات المسلحة ضده، ولا توجيه تهديدات جدّية لأي كان.

كذلك الرئاسة الروسية، لئن كان بشار الأسد سيسعى بكافة الوسائل الى تفريغ أي مبادرة في اتجاه سحب الكيماوي منه من مضمونها، فإن للروس دوافع إضافية لمساعدته على ذلك. هم أيضاً، يدركون أنه إذا سحب عصب هذا النظام، فإن المخاوف المثارة حول تداعيات سقوطه لن تعود بمنسوبها الحالي في الغرب.

إذاً، الأغلب هو مسار تملّصي روسي – أسدي من المبادرة الروسية نفسها، والمماطلة الى أقصى حد، وعند هذه العتبة، فإن التلكؤ الأوبامي سيعود ويلقى نفسه أمام تحدٍّ أصعب، ما دام الروس توكلوا بالنيابة عن بشار الأسد في الموضوع الكيماوي.

ليس صحيحاً أبداً أن النظام سيسعى الى تسليم الكيماوي لتفادي سقوطه. فهو يدرك أنه من دون الكيماوي وفي وضع الثورة والطوق عليه لا بد ساقط، وأن احتفاظه بالكيماوي أو الخوف من وقوعه في يد تنظيمي “القاعدة” و”حزب الله” يلجمان تلاقي المصالح المسرّعة لعملية إسقاطه. النظام يدرك أن غاز السارين أكسير حياته، والروس إذا طرحوا المبادرة مستفيدين من تلكؤ وسوء تدبير في البيت الغربي، فليس للضغط على نظام بشار الأسد، لكن للمرافعة عنه في هذا الباب. وتلك هي السابقة الكبرى: الطاغية الذي كان الروس يستحون من ذكر اسمه حتى وهم يرسلون له الصواريخ، وكان يتردّد البعض من أخصام الامبريالية الأميركية في دعمه بشكل صريح، تحول بعد ذلك الى بطل شعبي بعرفه، لا لأنه أمم قناة السويس، ولا لأنه شيّد السدّ العالي، بل لأنه سفك دماء السوريين بالكيماوي وبغير الكيماوي.

ولأجل كل ذلك، يخطئ من يظن أن النظام السوري ورعاته الروس فضلوا تسليم الكيماوي على سقوط النظام لأن الكيماوي هو الرأسمال الوحيد للنظام. كل ما هناك أنهم فتحوا بازار الاستثمار فيه مستفيدين من ترهّل مقلق في الجسم الغربي.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل