إعادة ترتيب المنطقة
المستر جيفري فيلتمان ليس مجرَّد سفير سابق أقام في الربوع الغنّاء فترة، ثمَّ لم يلبث أن غادرها على السكيت، وطالباً السترة.
لا، ليست هذه المواصفات متناسبة مع الديبلوماسي الأميركي الذي كان دائم الحركة والزيارات والتصريحات وخصوصاً خلال فورة البراكين التي دهمت لبنان من الجهات الأربع، ووضعته على حافة حرب أهلية جديدة، وعلى عتبة مغامرة دموية لم يعرف مثلها خلال السنوات الأربعين من الحروب.
أجل، كان فيلتمان خلال تلك الفترة الملتهبة هنا. وكان حاضراً حتى حيث تكون المخاطر تتربَّص حتى بالهواء.
كان دائم الحضور، ودائم الكلام، ودائم التعرُّض للمعنيين بالأزمات، بالاسماء والصفات والمسؤوليات، ومؤكداً في تلك الأجواء المدلهمة عدم تخلّي أميركا عن لبنان أو "مبادلته"… حتى حين شُبِّه للبنانيين ان التخلّي قد حصل، وان ادارة جورج بوش قد عملتها.
على رغم مغادرته بيروت، وابتعاده بالجسد و"الوظيفة" والتعامل عنها، بقي متابعاً لكل ما يجري ويحصل في البلد الصغير كونه يعرفه جيداً، وعن كثب، من أقّصى الجنوب الى أقصى الشمال، وملمَّاً بأزماته ومشكلاته ومصادرها، المامه بانتماءات بعض الفئات والأحزاب والقيادات، واين تصبُّ اهتمامات سوريا، وطول باع ايران، والاستعدادات العدوانيّة لاسرائيل.
حتى قيل فيه، على ألسنة أركان معارضة تلك الفترة، انه سفير أميركا لدى قسم من اللبنانيين، وسفير لبنان "الفعلي" لدى واشنطن…
قبل يومين عاد المستر فيلتمان على طريقة بيلي جاك حين عاد سينمائياً الى تكساس، وبعد غياب قصير، موفداً الى العاصمة اللبنانيَّة هذه المرة بصفته مساعد وزيرة الخارجيَّة الأميركية بالوكالة، وبرفقته مدير الشرق الاوسط في مجلس الأمن القومي دانيال شابيرو.
وللحال بدأ جولة من الزيارات شملت مسؤولين وسياسيين، وبدأها بزيارة قريطم حيث التقى رئيس "تيار المستقبل"، مصرحاً على الأثر "ان من الملائم جداً أن أبدأ زياراتي بلقاء النائب سعد الحريري في هذا الاسبوع المهم الذي شهد بدء عمل المحكمة الخاصة بلبنان".
فضلاً عن كلام كثير آخر تناول دعم أميركا ودول أخرى للمحكمة ولبنان، أشار فيلتمان بصوت جاد ونبرة واثقة الى انه ينقل رسائل من الرئيس باراك أوباما والوزيرة هيلاري كلينتون، "ومن كل الادارة الاميركيّة"، تشدّد على دعم استقلال لبنان وسيادته.
ولم يكتم رغبة الادارة الاميركية وتطلعها لرؤية هذا البلد ينعم بديموقراطيَّة حيويَّة وفعَّالة، "من خلال الانتخابات النيابية التي ستجري في الربيع المقبل".
لكن الخبر الذي اعتبرته الاوساط السياسيَّة الأكثر أهمية وإثارة في جولة السفير السابق، يتمثَّل في الكلام عن الانفتاح الأميركي على سوريا: "نعم، لقد توجهنا جميعاً الى سوريا. وقال الرئيس الاميركي بوضوح انه يريد منا ان نتخذ الانفتاح على سوريا وسيلة من وسائل ترويج السياسة الاميركية" في المنطقة.
من دون اهمال الغاية الأْخرى الموازية في الأهمية، والتي تدور في فلك أزمة العلاقات اللبنانية – السوريَّة، وما يحيط بها من التباسات واختلافات وأسلاك شائكة.
لكنها، في أي حال، زيارة ستترتب على نتائجها ملامح المرحلة المقبلة للبنان والمنطقة واعادة ترتيبها.