بعد تعطيل المبادرة العربية
تحالف حزب الله ـ عون ماذا يريد؟ الثلث المعطل أم إلغاء وثيقة الطائف؟!
الشيخ خلدون عريمط
الشيخ خلدون عريمط
على مدى خمسة عشر عاماً من الحروب العبثية على أرضه، دفع لبنان عشرات الآلاف من القتلى والجرحى، وخاصة في عاصمته بيروت التي مزقها الميليشيات وأمراؤها، فتحول قلب المدينة ركاماً، وأزقتها أوكاراً، واشتهرت عاصمة المعرفة في هذا الشرق بصناعة الموت المجاني، فغدت ساحة لتوجيه الرسائل الحارقة بين الأنظمة العربية الباحثة عن دور لتغطية عجزها من جهة، وبين الثوريين العرب ومنظماتهم والكيان الصهيوني المغتصب لفلسطين من جهة أخرى.
دمرت بنية الدولة وانهار الاقتصاد، وهاجر النخبة والشباب الواعد، وأضحى لبنان وشعبه موبئاً ومتنفساً لأورام وأمراض وأدران المنطقة، وشاءت إرادة الله ان تتحرك بقية المصلحة العربية، والارادة الدولية لإخراج لبنان من مستنقع الموت المجاني، فتداعى العرب وجامعتهم وانتدبت منهم وباسمهم، المملكة العربية السعودية وسوريا والجزائر، وبرعاية كريمة من خادم الحرمين الشريفين آنذاك، فدعي النواب اللبنانيون بكل أطيافهم لعقد لقائهم التاريخي في مدينة الطائف رغم التهديدات والحصار الذي فرضه آنذاك العماد عون بصفته مغتصباً لقصر بعبدا. ولعب الرئيس الشهيد رفيق الحريري دوراً محورياً وصامتاً بين الأطراف اللبنانية من جهة، وبين المملكة العربية السعودية وسوريا والجزائر من جهة أخرى، وبعد أيام طويلة من اللقاءات والنقاشات والمطالب، والمطالب المضادة، والشروط والشروط المقابلة، تمت ولادة وثيقة الوفاق الوطني، التي عرفت آنذاك بوثيقة الطائف، أعيد من خلالها توزيع السلطة التشريعية والتنفيذية بين مكوّنات الشعب اللبناني. وحده العماد ميشال عون رفض وثيقة الطائف مشترطاً قبولها بوصوله الى السلطة بانتخابه رئيساً للجمهورية، ولما لم يتحقق حلم العماد المهوّس بالسلطة افتعل معركتي الالغاء والتحرير، وكانت النتيجة استكمال تدمير بيروت والعديد من المناطق اللبنانية، وخاصة داخل المجتمع المسيحي، بحجة دعمه لقيام الدولة والغائه الميليشيات، وما أعقبها من هزيمة للعماد ومشروعه السلطوي.
فهل يكرر العماد عون المشهد السياسي من جديد، وان كان الان بتحالفه من خلال وثيقة التفاهم مع النفوذ الايراني المتمثل بحزب الله، والذي وجد هذا النفوذ حصان طروادة، لإعادة النظر بوثيقة الطائف كما أشار بذلك وزير الخارجية الايراني، بحيث تصبح المناصفة بين المسلمين والمسيحيين، مثالثة طائفية ومذهبية بين السنة والشيعة والموارنة، أما بقية الأطياف والطوائف فلها فتات ما تبقى من هذه المحاصصة المفخخة. والمتتبع لمسار الأحداث والمفاوضات واللقاءات الثنائية اللبنانية والمبادرات العربية والأوروبية وآخرها مبادرة الجامعة العربية وأمينها العام الذي جاء بتفسير واحد.
موحّد، يجد أن قضية تحالف عون ـ حزب الله، ليست قضية أكثرية أو أقلية، وحتماً هي ليست قضية ثلث ضامن، أو معطل أو سلة كاملة، مليئة أم فارغة، وإنما الهدف الأساسي لتحالف عون ـ حزب الله وخلفهما المحور الاقليمي الداعم، هو تعطيل المحكمة الدولية وإغلاق ملف اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وإلغاء وثيقة الطائف، وإعادة تركيب السلطة من جديد، وجعل النظام اللبناني نظاماً تابعاً لشمولية الحزب الواحد، أو لنظرية ولاية الفقيه، بحجة ان لبنان هو ساحة الصراع، لهزيمة الشيطان الأكبر الأميركي، كما عبّر عن ذلك مرشد الثورة الايرانية السيد علي خامنئي، أو كما أشار الى تغيير خريطة المنطقة من خلال لبنان، المرشد الأعلى لدولة حزب الله في لبنان السيد نصرالله، بحجة محاربته وتصديه للأفعى الصهيونية في فلسطين، مستفيداً من ضعف النظام العربي، ومن تمدد النفوذ الايراني في كل من العراق وسوريا ولبنان وفلسطين، واستمرار الزحف الأميركي بقواعده المنتشرة في بلاد العرب والاسلام، لحماية الطاقة والحفاظ على الكيان الصهيوني في فلسطين.
وكان الأحرى بتحالف عون ـ حزب الله وملحقاته أن يكشف عن حقيقة ما يريد، وخاصة بعد محاصرته المبادرة العربية، ليعلن للرأي العام العربي والدولي، انه أكبر من الدولة ومشروعها، وطموحه إعادة صياغة وتركيب النظام اللبناني بسلطاته التنفيذية والتشريعية والقضائية لاخراج لبنان، من محيطه العربي، الى فضاء حزب الله ونظرية ولاية الفقيه، المنطلقة من طهران وقم، والممتدة نحو بلاد العرب