محوران يساندان الانفتاح على سوريا وإيران تجنباً لمحاذير الاستفراد
الخطوة البريطانية حيال "حزب الله" ترتبط باحتمالات الانتخابات
عطف وزير الخارجية البريطاني ديفيد ميليباند سماحة بـ"اجراء اتصالات على مستوى غير رفيع مع "حزب الله" كي نوضح في شكل مطلق تصميمنا على تطبيق القرار 1701 الذي يدعو بين امور اخرى الى حل الميليشيات"، على وجوب "كبح نفوذ ايران في المنطقة". فالموضوع الايراني المتعلق بالملف النووي سعت بريطانيا الى مقاربته على غرار دول اوروبية عدة من دون نجاح كبير في استشكاف بعض النقاط البالغة الاهمية حتى من خلال اللجوء الى اطراف ثالثين على تواصل مبدئي مع طهران. والمقاربة المختلفة التي تستعد لإجرائها الادارة الاميركية الجديدة مع ايران، ثمة ملاقاة لها من اتجاهين أو محورين مهمين لا تعزلهما مصادر ديبلوماسية مطلعة عن واقع تنسيقي مبدئي مع ادارة الرئيس باراك اوباما.
المحور الاول عربي – خليجي تقوده المملكة العربية السعودية على نحو لم يعد يتحمل اللبس او الغموض بعد الحرب الاسرائيلية على غزة وبروز ايران كأحد أبرز العاملين على تغذية حركة "حماس" وتشجيعها وتسليحها في وجه السلطة الفلسطينية. وبات الموقف السعودي والعربي يجاهر باعتماد مقاربة مخــتلفة ترفض علناً التدخل الايراني في شؤون المنطقة العربية من فلسطين الى العراق ولبنان من جهة، وتمد اليد لســوريــا مــن جــهة اخرى من اجل توفير العناصر الضرورية لها لتقديم اولوية التضامن العربي وتحصينه في وجه التمدد الايراني على التــحــالــف مــع طــهران والعمل معا من ضمن سياسة واحدة.
والمحور الآخر اوروبي يدعم المقاربة الاميركية الجديدة مع ايران ويقف خلفها وينتظر ان تسفر حركته عن نتائج ايجابية في موازاة محاولة استيعاب سوريا وفك عزلتها الدولية، وذلك من خلال التشجيع على معاودة المفاوضات بينها وبين اسرائيل وتقديم حوافز لها في هذا الاطار.
فالمقاربة من كل المحاور العربية والدولية على حد سواء تتعاطى والدولتين معاً وليس مع واحدة من دون الاخرى انطلاقاً من واقع ان كلا من دمشق وطهران هما في محور واحد، وان أي سعي الى الفصل بينهما لن يكون ناجحا نظراً الى ترابط الكثير من الملفات بين الجانبين من تلك التي تشكل هواجس معينة لدى المجتمعين العربي والدولي. وهذا ينسحب أقله على دعم التنظيمات الراديكالية الفلسطينية و"حزب الله" في لبنان، إذ لا يمكن الجزم بحصرية امتلاك دمشق او طهران هذه الاوراق من دون الاخرى ولا يمكن ان تبت احداهما سلباً او ايجاباً فيها من دون حفظ موقع حليفتها في هذا الاطار. كما ان تــقــدم واحــدة مــن دون اخــرى فــي ملفات خاصة بكل منهما قد يكون محفوفاً بالصعوبات والأخطار اذا شعرت احدى الدولتين بأنها مستفردة ومعزولة، فضلاً عن امكان كل منهما توظيف بعض الاوراق مع المجتمع الدولي من اجل المساعدة في الحوار مع طهران مثلاً بالنسبة الى سوريا، على ما تم تبرير الانفتاح الفرنسي على هذه الاخيرة من ضمن التبريرات الاخرى المتعلقة بلبنان و"حماس" وما الى ذلك.
كما ان الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي سعى الى فك العزلة الدولية عن سوريا من اجل تسهيل ابتعادها عن طهران ومساعدتها في ذلك ولم ينجح. وكذلك الامر بالنسبة الى التبريرات التي قدمها رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق ايهود اولمرت للمفاوضات غير المباشرة بين اسرائيل وسوريا برعاية تركية للاميركيين والاسرائيليين على حد سواء.
وبهذا المعنى باتت ايران شريكة مضاربة في شؤون المنطقة، بدليل سعيها الى تثبيت حضورها وتأثيرها في كل ازمة اخيرة واجهها لبنان بعد انسحاب القوات السورية منه في نيسان 2005 نتيجة علاقتها العضوية بـ"حزب الله". وهذا الامر ينسحب ايضاً على الموضوع الفلسطيني على ما سعت طهران الى اظهاره بوضوح في مؤتمر دعم غزة والشعب الفلسطيني الذي اقامته بعد ايام على المؤتمر الدولي العربي الذي انعقد في شرم الشيخ لاعادة اعمار غزة. وفي الوقت نفسه يصعب على واشنطن اعتماد المقاربة الحوارية الجديدة مع دمشق او مع طهران من دون اخذ مصالح حلفائها في المنطقة في الاعتبار في ضوء التهديد الذي يشعر هؤلاء ان ايران باتت تشكله عليها وعلى الوضع في المنطقة.
في ضوء ذلك يطرح سؤال عما اذا كان الانفتاح البريطاني المتجدد على "حزب الله" يندرج في السياق نفسه، وإن على مستوى مختلف، خصوصاً ان ميليباند ربط الاتصالات مع الحزب في اطار تطبيق القرار 1701 ووجوب كبح جماح ايران في المنطقة، او اذا كان يرتبط، كما لا يستبعد بعضهم، بالاحتمالات التي يمكن ان ترتبها نتائج الانتخابات النيابية المقبلة في لبنان. فغالبية الدول المعنية تدرك جيداً ان كل الاحتمالات مفتوحة، اي في اتجاه فوز قوى 14 آذار او قوى 8 آذار. وبعض هذه القوى لا يود ان يكون احتمال فوز هذه الاخيرة بزعامة "حزب الله" هو رمي للبنان في الحضن السوري – الايراني او الايراني اكثر تحديداً، مع ما يمكن ان يترك ذلك من انعكاسات بالغة السلبية على لبنان ووضعه الاقتصادي والاستثمارات المالية المحتملة فيه، كما على وضعه السياسي، من حيث ان اعتبار فوز "حزب الله" يمكن ان توظفه ايران وسوريا في خانة الكسب لهذا المحور في مواجهة المحور الغربي، على ما ترمى به قوى 14 آذار ربما يعرض لبنان لأخطار جمة، وذلك نتيجة اعتبار اسرائيل ان الدولة والحزب يصبحان واحداً ولا شيء يمكن ان يضبط انفلات آلتها العسكرية على غرار ما حصل من لجم المجتمع الدولي لاندفاع اسرائيل على لبنان عام 2006 عبر القرار 1701 مما ساهم في فشلها في تحقيق انتصار، الى جوانب عوامل أخرى.