إصرار رئيس الجمهورية على عدم ترك البلاد مشرّعة على الفراغ مع اقتراب ولايته على نهايتها، فتح الباب أمام البحث في كلّ الصيغ الممكنة التي تقود إلى التأليف. وبعد استبعاد الحكومة الحيادية للأسباب المعلومة، ورفض “المستقبل” و”القوات” حكومة الوحدة انسجاماً مع مواقفهما المتصلة بقتال “حزب الله” في سوريا وفشل هذا النوع من الحكومات، يتم التداول أخيراً في تجديد صيغة الوسطيّين و8 آذار، ولكن وفق موازين 2013 لا 2011، خصوصاً أنّ هذه الصيغة وعلى رغم اختلال ميزان القوى داخلها لمصلحة الفريق الممانع تمكّنت بحدود معيّنة من إقامة نوع من توازن في الملفات الداخلية وحتى الخارجية. والفارق الجوهري بين حكومة وسطيّين برئاسة ميقاتي وحكومة وسطيّين برئاسة سلام يكمن في الآتي:
أولاً، الرئيس نجيب ميقاتي تمّت تسميته من قبل السيّد حسن نصرالله، فيما الرئيس سلام تمّت تسميته من قبل الرئيس سعد الحريري.
ثانياً، اللحظة السياسية التي تمّت فيها تسمية ميقاتي كانت لحظة غلبة إقليمية ومحلية تمثّلت في الإنقلاب على الـ”سين-سين”، ونشوة استثنائية وصلت إلى حدّ تحدّي الولايات المتحدة بإسقاط الحريري لحظة دخوله إلى البيت الأبيض لمقابلة الرئيس باراك أوباما، فيما اللحظة الحالية تجسّد توازناً فعلياً، خصوصاً مع تدويل الأزمة السورية وتعطيل نفوذ النظام داخل سوريا فكيف بالحري خارجها؟
ثالثاً، “الطبخة” الحكومية حصلت في الضاحية الجنوبية، حيث أنّ العمود الفقري للحكومة الميقاتية، أي “حزب الله”، هو من تولّى توزيع الحصص والأحجام والأوزان والحقائب متكئاً على واقع الغلبة الذي كان قائماً، فيما الطبخة الحكومية هذه المرّة ستتم بالتكافل والتضامن بين رئيسي الجمهورية والحكومة من جهة، وفريق 8 آذار من جهة أخرى.
رابعاً، الفريق الوسطي في الحكومة الميقاتية نجح في تعطيل سلّة التعيينات وإقرار تمويل المحكمة وتوفير المظلّة لفرع المعلومات والإطلالة على الخارج بسياسة النأي بالنفس، وذلك على رغم عدم حيازته الثلث المعطل، فيما حصّة الفريق الوسطي اليوم تفوق حصّة 8 آذار الذي يطالب بتمثيله وفق حجمه النيابي، أي 11 وزيراً من 24 كحدّ أقصى، ما يجعل حصّة الوسطيّين 13 وزيراً. ولا يحق لقوى 8 آذار المطالبة بأكثر من حصّتها بحجّة عدم مشاركة 14 آذار التي جيّرت حصّتها للوسطيّين، وأي عرقلة من هذا النوع يتحمّل “حزب الله” مسؤوليتها.
خامساً، الثلاثي سليمان وسلام وجنبلاط سيكون أداؤه أفضل من الثلاثي سليمان وميقاتي وجنبلاط، وذلك للأسباب الآتية:
1 – رئيس الجمهورية ليس في وارد التمديد، ويدرك أساساً استحالة حصوله، فضلاً عن أنه يحرص على تتويج عهده بحكومة متوازنة تعكس توجّهاته وتستطيع أن تتولّى إدارة البلد بعد نهاية ولايته. ولذلك يريد الخروج من الرئاسة من موقع قوّة يؤهله الاستمرار في دوره السياسي-الوطني.
2 – سلام يختلف عن ميقاتي، لأنّ تسميته جاءت من قلب بيئته، ويحظى بالغطاء السعودي، وهو في غير وارد التنازل على حساب قناعاته وبيئته وامتداداته، وبالرغم من ذلك الطرف الآخر لا يعتبره شخصية استفزازية، الأمر الذي يسهّل له مهمته.
3 – جنبلاط نجح في الحكومة الميقاتية في إرساء علاقة بين رئيسي الجمهورية والحكومة مكّنت الثلاثي الوسطي من تظهير سياسة وسطية فعلية، وهذا الدور الجنبلاطي مرشّح لأن يستمر، خصوصاً أنّ رئيس الاشتراكي يتقاطع سياسياً مع سليمان وسلام، فيما يحاول مراعاة الطرف الآخر من الباب الأمني.
سادساً، في حال صحّ احتمال دخول حزب الكتائب إلى الحكومة ليكون من ضمن حصّة الوسطيّين وزارياً لا سياسياً، حيث يحافظ على موقعه الـ14 آذاري مع تمايز يتصل بقناعته بأنّ الحكومة والحوار أفضل من الفراغ، وبالتالي في حال صحّ هذا الاحتمال يكون تمّ تدعيم موقع الثلاثي داخل الحكومة بشكل مهمّ وتحوّل الثلاثي إلى رباعي.
ولعلّ أهمية حكومة من هذا النوع تكمن في الآتي:
I- قوى “14 آذار” بمكوّنيها القواتي والمستقبلي فضلاً عن المستقلّين تكون بقيت منسجمة مع خطابها والتزاماتها وتعهداتها، وتكون حرمت “حزب الله” الغطاء الوطني الذي يسعى إليه والذي لا ينسجم مع مصلحة البلد.
II- التوازن الموجود في الحكومة عددياً ونوعياً سيمنع 8 آذار من الاستئثار بتوجهات هذه الحكومة، وسيجعل الأولوية للملفات الأمنية والاقتصادية والمعيشية، الأمر الذي يشكّل حاجة أساسية وملحّة لكل اللبنانيين.
III- تلافي الفراغ الذي بات عبئاً ثقيلاً، ويتجه إلى أن يتحوّل إلى كارثة وطنية مع الفراغ الرئاسي.
وفي ما يتصل بالبيان الوزاري على القوى المشاركة في الحكومة مناقشته بعد التأليف، ومن الواضح أنّ الرئيس سليمان دخل في نقاش مستفيض مع “حزب الله” في محاولة لجعله متوازناً ويتناسب مع طبيعة المرحلة. ومن ضمن هذا السياق بالذات أصدر سليمان البيان الرئاسي التوضيحي حول “إعلان بعبدا”. وأمّا قول الشيخ نعيم قاسم، بأنّ “من يريد أن يقتلع ثلاثية “الجيش والشعب والمقاومة” يعني أنه يريد أن يقتلع أرواحنا”، يدخل في سياق رفع السقف السياسي وتعبير عن تعقيدات طرأت على المفاوضات.
وعليه، وفي ظلّ استحالة قيام حكومة فئوية، أو جامعة، أو حيادية، قد تكون حكومة الوسطيّين زائد الكتائب و8 آذار الفرصة الأخيرة لقيام حكومة في لبنان، هذه الحكومة التي على الرئيسين الإقدام عليها اليوم قبل الغد، وأي تأخير يؤدي إلى تفويت اللحظة كما حصل مع الحكومة الحيادية لدى تكليف الرئيس المكلف، يتحمّل سليمان وسلام مسؤوليته.
