وصلت جميع القوى والأطراف السورية والإقليمية، والدولية الى عنق الزجاجة في سوريا. الرغبات بالحل موجودة، لكن القدرات على الحل غير متوافرة. كل ما يجري في الكواليس، وفي الغرف المغلقة خلف شبكة كثيفة من التصريحات والتسريبات المضادة، محاولات لصياغة حل لا يمكن أن يكون على قياس السوريين، إذ يجب أن يكون أولاً على قياس قدرات ومصالح القوى الخارجية. السوريون من نظام ومعارضة، ليسوا أكثر من “بيادق” في لعبة شطرنج معقدة، لا رحمة فيها، خصوصاً وأن القوى اللاعبة تخسر إذا خسرت من “كيس” السوريين، وتربح على حسابهم أساساً من بعضهم البعض.
النظام الأسدي، نجح من خلال ممارسته سياسة القمع والقتل غير المحدودة في دفع المعارضة المدنية السورية نحو “عسكرة” الثورة. كل يوم جديد من “العسكرة”، وغياب الدعم الحقيقي بالسلاح الفاعل والمنتج لموازين قوى جديدة يعمق الإحباط فاليأس فالانزلاق نحو التطرف والتشدد الإسلامي، وكان أن قطف تنظيم “القاعدة” واخوانه هذا التحول، فأصبح “الملعب” السوري مفتوحاً لجميع المتطرفين الإسلاميين. هذا النجاح الذي حققه النظام الأسدي، يجعله أسير الحل الأمني الذي يريده بمشاركة دولية معه، باسم الحرب ضد الإرهاب.
أما المعارضة السورية، فإن مأساتها مزدوجة، فهي ولدت من قلب “تصحير” سياسي”، نادراً ما توافر في دولة أخرى. حافظ الأسد نجح في تحقيق هذا “التصحير” بمباركة ودعم العالم خصوصاً الولايات المتحدة الأميركية رغم كلفته الدموية المرتفعة من حماة الى السجون والمعتقلات التي امتلأت دائماً بعشرات الآلاف من خيرة شباب سوريا، وحتى بعض العرب الذي سقطوا بين “براثنه”. لذلك كله، إذا كان من نقد يوجه اليها فمن باب الأمل بتطورها ونضوجها، ومن ثم تبلور هذا كله في تقديمها مشروعاً سياسياً واضحاً، يكون جامعاً لشرائح واسعة من السوريين ومطمئناً لقوى عربية ودولية عديدة.
لا داعي للدخول في المواقف العربية من الثورة في سوريا، فقد أصبحت تفاصيلها مكررة ومملة في أحيان كثيرة. المشكلة موجودة عند المثلث الروسي الأميركي الإيراني. موسكو تملك بعض الأوراق في سوريا. لكن أهم “ورقة” تملكها وتستعملها بنجاح، هي استثمارها غير المحدود للأسد ولدماء السوريين. “القيصر” فلاديمير بوتين يعرف جيداً أن روسيا غير قادرة على الحرب. لذلك يقف على حافتها من دون الانزلاق فيها. أقصى ما يرغبه أن يُدخل الأميركي في “المغطس” السوري، فتصبح الخسائر مشتركة، وكلما ارتفعت كبر الأمل بتقديم التنازلات له. أما واشنطن، فإنها قادرة على الحرب لكنها لا تريدها. في الأصل الرئيس باراك أوباما ورث خسائر حربين في أفغانستان والعراق، الى جانب الكارثة المالية التي لم تستطع بلاده الخروج منها حتى الآن. من الأساس أوباما عمل على ألا يقع في “المغطس” السوري سواء في تدخل مباشر أو غير مباشر. ما شجعه على ذلك، أن الآخرين يخسرون وهو يربح.
لأول مرة تخوض الولايات مواجهة مهمة جداً من دون كلفة مالية وبشرية. ماذا تريد واشنطن أكثر من هذه الحرب في سوريا، حيث تحولت الى “حرب الكفن ضد الكفن” بين القوى التكفيرية وحزب الله، كل ذلك بدعم ومشاركة مباشرة بالمال والخبراء والمواقف بدون حساب ولا حدود من موسكو وطهران. بذلك يتم استنزاف الطرفين الروسي والإيراني، أيضاً كل يوم حرب في سوريا يضيف الى “بئر” الحقد والكراهية من قوى سورية وعربية وإسلامية واسعة المزيد من الأحقاد والكراهية اللتين يتم استثمارهما في ساحات ومواجهات لاحقة.
بدورها إيران تلعب بقوة وهي إن لم تربح فلن تخسر. سوريا مهمة لها ولكنها تبقى “سلاحاً” تشهره في المواجهات، و”ملفاً” تغني به مفاوضاتها مع واشنطن على قضايا استراتيجية أهم وأكبر. “الخامنئية” التي طعمت “بالروحانية” قادرة على التعامل مع المتغيرات الكثيرة (لهذا التحول مجال آخر).
المعركة القادمة، في سوريا هي لتثبيت خطوط التماس. حالياً حمص وحماة والساحل مع النظام الأسدي وإن كانت توجد “جيوب” للمعارضة يمكن توسيعها، وحلب وإدلب والحسكة وأيضاً درعا على الحدود مع الأردن مع “المعارضات” المسلحة ووجود “جيوب” للنظام يمكنه التحرك فيها. تبقى دمشق وريفها مركزاً للحرب لزمن طويل. النظام الأسدي لم يعد قادراً على الحسم، والمعارضة المسلحة عاجزة عن التحرير. ما لم تمد المعارضة بسلاح حقيقي خصوصاً المضادات الجوية والصواريخ المضادة للدبابات فإن شيئاً لن يتغير. المشكلة الآن في غياب الثقة بين المحور الغربي وقوى المعارضة الداخلية بسبب “القاعدة”.
لا يكفي رسم خطوط التماس داخل سوريا، أيضاً يجب الوصول إلى رسم دقيق لخطوط التماس بين واشنطن وموسكو وطهران، بحيث يعرف كل طرف حدود ما يستطيع الحصول عليه وما يمكنه المحافظة عليه، كل ذلك بكلفة محدودة ومحددة مسبقاً.
رغم صمود الجميع في “عنق الزجاجة”، فإن قناعة سورية داخلية ودولية أصبحت قائمة وهي: أن لا مكان للأسد في سوريا حتى ولو بقي حتى نهاية ولايته الرئاسية التي تنتهي في أيار 2014.
من الآن يمكن القول إن البحث في المفاوضات حول سوريا يتمحور حول سوريا ما بعد الأسد.