لا يمكن لأيِّ قراءة في الاتفاق الأميركي – الروسي، أن تنفي وقوع الضربة على سوريا بأكبر ممّا كان مقدّراً من أذى يلحق بالقوة العسكرية للجيش النظامي السوري، اللهمَّ إلا إذا كان «رأس الأسد» أثمنَ من سوريا، والإبقاءُ عليه انتصاراً للشعب السوري في «الكِباش» بين البيت الأبيض والكرملين.
فالضربة “السِّياعسكرية” تمّت بالاتفاق على تفريغ “الشقيقة” من مخزونها الكيماوي كليّاً، وانضمام سوريا – بعد عقود من الممانعة – إلى معاهدة حظر السلاح الكيماوي، وهذا في المنظور الإقليميّ والدوليّ المعادي لنظام الأسد أكبرُ من “ضربة محدودة” وأصغرُ من حرب غير مضمونة النتائج.
صحيح أنَّ العبرة في التنفيذ، والصحيح كذلك أنَّ التهويل بالضربة أبقى الإصبع على الزناد، وحوَّل أوباما الفوَّهة وصوَّبها نحو إيران، في محاولة لشل قدرتها على المناورة والضغط والحركة، ولاستفراد دمشق، وحلفائها لا سيما “حزب الله”، ولدفع بوتين إلى تبرير الاتفاق وتبرئة موسكو من شبهة التخلّي عن أصدقائها، بل إلى الذهاب أبعد من نصّ الاتفاق إلى هامشه مطالباً بنزع السلاح النووي الإسرائيلي، مظهراً حرص روسيا على “شرق أوسط” خالٍ من سلاح الدمار الشامل؛ علماً بأنَّ شراء الوقت مطلب جميع الأفرقاء.
أمّا نقل لعبة “شدّ الحبل” إلى أروقة مجلس الأمن الدوليّ، والمعركة المحتدمة حول “البند السابع” وإدراجه في قرار المجلس أو سحبه، فمسألة أخرى، لا تلغي قرار اوباما بضربة عسكرية، ولا تعني رغبة بوتين في التراجع عن اتفاق وزير خارجيته سيرغي لافروف مع نظيره الأميركي جون كيري، ولا تقلّل من ذكاء الروس ولا تزيد في ذكاء “الشيطان الأكبر”، بل تؤكد استمرار “غباء” العرب.
والسؤال المتداول في أوساط المحلّلين الاستراتيجيّين النجباء، وليس منهم من يظهر على الشاشات المحليّة والعربيّة، هو: هل تسعى واشنطن إلى إسقاط نظام الأسد، وهل تستميت موسكو في الدفاع عن بقائه؟
يبدو لبعض اولئك أنَّ الإدارة الأميركية تريد القضاء على سوريا ما قبل ما يسمى “الثورة”، بتفكيكها وإعادة تركيبها. وأن الإرادة الروسية ليست ضد التفكيك ولكنها ترغب في المشاركة بإعادة التركيب.
ويبدو لبعض آخر أنَّ تجميع القوى المناهضة للأسد، وجلُّها من “قاعدة” وتكفيريّين ومجاهدين، أمر يريح الولايات المتحدة بتشتيت الإرهابيّين بين مزدوجين، وبزجِّهم في آتون واحد، وأمر لا يزعج روسيا ما دام أسطولها في المياه الدافئة.
الصين تراقب. وتفضل احتراق الأوراق جميعاً في أيدي اللاعبين. لتربح من دون أن تلعب.
يبقى الرئيس بشار الأسد “محشوراً”، وربما للمرة الأولى في تاريخ عائلته، بين منعه من الربح ومنعه من الخسارة.
وضع الرأس في فم الذئب ليس مسموحاً، وقتل الذئب ممنوع. ويخطئ من يظنُّ بأنّ نزع الكيماوي هو المطلوب لإضعاف النظام، وبأنّ البديل أي “الضربة” هو المرغوب لنصرة المعارضة. وتبقى الساح بلا غالب وبلا مغلوب إلى أن تكتمل معالم صورة ما ستكون عليه المنطقة ولو حتى آخر نقطة نفط في بئر العرب