#adsense

الديموقراطية التوافقية (مع الثلث المعطل) ديكتاتورية الأقلية (أو المعارضة)

حجم الخط

الديموقراطية التوافقية (مع الثلث المعطل) ديكتاتورية الأقلية (أو المعارضة)

أفرز "مؤتمر الدوحة" الذي عقد بعد أحداث 7 أيار (2008) نظاماً هجيناً لم يعرفه لبنان من قبل، هو نظام "الديموقراطية التوافقية مع الثلث المعطل أو الضامن"، وقد فرضته الأقلية المعارضة على الأكثرية، بعد تلك الأحداث، وهو السلاح الذي لا تفتأ المعارضة تشهره كلما رأت في ذلك مصلحة لها، وعلى الأكثرية، أن تقبل به، وإلاّ، فان وزراء المعارضة يعلنون انسحابهم من الحكومة، ما يشكل نقضاً "لميثاق العيش المشترك، وفقاً للفقرة "ي" من مقدمة الدستور (راجع ما جرى، في هذا الصدد، في جلسة مجلس الوزراء بتاريخ 12/12/2008، وذلك في الصفحة الأولى من جريدة "النهار" بتاريخ 3 منه).

وعلى هذا، لا يمكن أن نصف النظام الذي يطبّق في لبنان اليوم بالديموقراطي، في المفهوم الدستوري للكلمة، ذلك أن الديموقراطية، في تعريفها الدستوري، هي "حكم الشعب عن طريق الأكثرية المنتخبة انتخاباً حراً" حيث يمارس الشعب الحكم بواسطة هذه الأكثرية، وبمعنى آخر، الديموقراطية هي حكم الأكثرية باعتبارها تمثل الشعب بواسطة الانتخاب الحر، بينما تقوم الأقلية بدور المعارضة، وهكذا، فان المتفق عليه في مختلف أشكال الديموقراطية هو: الأكثرية تحكم، والأقلية تعارض.

إلاّ أن شكلاً جديداً من اشكال الديموقراطية عرفته بعض البلدان الأوروبية، مثل سويسرا وهولندا وبلجيكا والنمسا، بسبب التعددية في مجتمعات هذه البلدان، سواء كانت قومية أو دينية او لغوية او كيانية، وهي ما يسمى "الديموقراطية التوافقية" التي يحاول لبنان أن يطبّقها، دون أن ينجح في ذلك، لأن هذا النوع من الديموقراطية يصحّ في المجتمعات المتعددة ذات المستوى الاجتماعي المتقدم والحضاري، وهو ما لم يبلغه لبنان بعد، ولن يبلغه، حسبما نرى، طالما انه يعيش في نظام طائفي ومذهبي متخلف ومنغلق، رغم أن هذا النظام يعتبر تعددياً بسبب ما اجتمع في لبنان من طوائف ومذاهب ذات تأثير كبير وفاعل في حياته الاجتماعية، بل أنها من صلب هذه الحياة.

لقد ورث لبنان نظامه الطائفي من عهد الانتداب الفرنسي (المادة 95 من دستور عام 1926) ولم يتمكن من التخلص منه رغم صدور دستور جديد، عام 1990، ينص على انشاء "هيئة وطنية لالغاء الطائفية السياسية" (المادة 95 منه)، وذلك بعد سلسلة من الانقسامات التي ولّدت الفتن والحروب، تماماً كما جرى في احداث عام 1958، ثم في الحرب الأهلية التي استمرت خمسة عشر عاماً (1975 – 1990)، وكذلك الاوضاع التي نحن في صددها اليوم. وقد تضمن الدستور اللبناني أسساً للديموقراطية التمثيلية ثابر عليها منذ صدور أول شكل له عام 1926 وحتى عام 1990، رغم العديد من التعديلات التي طرات عليه خلال هذه الفترة، إلاّ أنه، وبسبب الحرب الأهلية التي اندلعت عام 1975 تغيّر الوضع الدستوري في لبنان، بشكل كبير، فقد وضع نواب لبنان، في مدينة "الطائف"، (عام 1990) دستوراً جديداً اتسم بتغيير جوهري، إذ اعتمدت "الديموقراطية التوافقية"، لأول مرة، في هذا الدستور، وذلك في الفقرة هـ من المادة 65 منه، حيث جاء أن مجلس الوزراء (وهو السلطة الاجرائية) "يتخذ قراراته توافقياً، فاذا تعذر ذلك فبالتصويت، ويتخذ قراراته بأكثرية الحضور" (أي بالنصف زائداً واحداً)، إلاّ في حال اقرار ما سمي المواضيع الأساسية" التي عددها الدستور في المادة نفسها (الفقرة نفسها) وعددها 14 موضوعاً، ويحتاج إقرار هذه المواضيع، في مجلس الوزراء الى "موافقة ثلثي عدد اعضاء الحكومة المحدد في مرسوم تشكيلها"، وهكذا، يمكن القول إن اعتماد "الديموقراطية التوافقية" في الدستور اللبناني هو النتيجة الفعلية لتلك الحرب، وقد زاد فعالية هذه الديموقراطية (التوافقية) الانشقاق المجتمعي الذي جرى، في لبنان، بعد ذلك، أي منذ عام 2005، وخصوصاً بعد احداث 7 أيار 2008 و"اتفاق الدوحة" الذي اعقبها.

لقد انجب "اتفاق الدوحة" أمراً خطيراً لا يزال اللبنانيون يعانون نتائجه الى اليوم، وسيظل سبباً من اسباب فرقتهم وخلافهم الى أن يقتنع الجميع بعدم صلاحيته، بل بخطورة ما يمكن أن ينتج من استخدامه، وهو وجوب اشتراك المعارضة في الحكومة فيما سمي "الثلث المعطل" أو "الثلث الضامن" (وهو يعني: الثلث +1).

لقد كانت نتائج هذا التغيير الدستوري (الديموقراطية التوافقية مع الثلث المعطل او الضامن) كارثية على الحياة المشتركة وعلى الحكم في لبنان، فبسبب هذه "الديموقراطية التوافقية" وهذا "الثلث المعطل" الذي يعني اشتراك المعارضة في الوزارة بالثلث زائداً واحداً، تعطلت الحياة البرلمانية، وكذلك الحياة السياسية، ومصالح المواطنين، طوال عام ونصف العام، إذ انسحب وزراء المعارضة من الوزارة فشلوا اعمال الحكم طوال مدة انسحابهم، ما أدى الى تعطيل مجلس الوزراء عن العمل، وعاشت البلاد وهي خاوية من سلطتين اساسيتين وفاعليتين لا تستقيم الحياة العامة بدونهما، وهما: السلطة الاشتراعية (مجلس النواب) والسلطة الاجرائية (مجلس الوزراء).

ربما كانت "الديموقراطية التوافقية" قادرة على تسيير الحياة السياسية والدستورية في لبنان، تماشياً مع ما نعرفه عن قيم هذه الديموقراطية في بلدان أخرى مشابهة للبنان في الاختلاف المجتمعي (وقد عددنا بعضها آنفاً)، نقول: ربما، لأننا لسنا واثقين، بعد، من قدرتنا على الاجادة في استخدام هذه "الديموقراطية التوافقية" للمصلحة العامة، بسبب تخلّفنا وجهلنا للحياة السياسية والدستورية السليمة، كما في المجتمعات الاوروبية. إلاّ أن ما هو أكيد وحتمي أن "الديموقراطية التوافقية" المشوبة "بالثلث المعطل أو الضامن" (الذي هو غير مقرر في الدستور)، والمخصص للمعارضة، من عدد الوزراء في المجلس الوزاري الذي هو "السلطة التنفيذية" في البلاد، لا بد من ان تعطل، اذا استخدمت (كما هو الحال اليوم في لبنان)، سبل الحياة بكل أوجهها، وهكذا يصح القول إن "الديموقراطية التوافقية المشوبة بالثلث المعطل او الضامن" لا تخرج عن كونها "ديكتاتورية المعارضة" او "ديكتاتورية الأقلية" في لبنان.

وفي أي حال، تظل العودة الى "الديموقراطية التمثيلية" في لبنان، رغم تعدد الطوائف والمذاهب، واختلاف المشارب والاتجاهات (قياساً بالدول الاوروبية المتماثلة مع لبنان)، بما يعني: حكم الأكثرية ومعارضة الأقلية، هو الأكثر سلامة لمستقبل الحكم في هذا البلد، حيث يتبارى الفريقان: الأكثرية والأقلية، في الحصول على الاغلبية لتسلم الحكم وتقديم الانجازات التي تمد الأكثرية الحاكمة بالديمومة والاستمرار، شرط أن لا يفرز هذا النظام اصطفافاً فئوياً (طائفياً أو مذهبيا) على صعيد المجتمع اللبناني ككل، مما لا بد من أن يسعّر الخلافات وينتج النزاعات والحروب، وعلاج ذلك لا يكون إلاّ بالتوعية والتربية والتوجيه اللاطائفي، للوصول الى تنفيذ ما أقره الدستور اللبناني في مادته الخامسة والتسعين، وهو "الغاء الطائفية السياسية"، التي يجب أن تظل "الهدف الوطني الاساسي" الذي "يقتضي العمل على تحقيقه" ولو "وفق خطة مرحلية"، وهو ما جاء في مقدمة الدستور نفسه، ولم يطبق حتى اليوم، رغم مرور نحو عقدين من الزمن على وضع هذا الدستور موضع التنفيذ. والذي يثير الهزء والسخرية والغضب، أن نسمع كل المسؤولين، نواباً ووزراء وسياسيين، يلهجون بايمانهم بدستور الطائف، إلا أنهم يتهربون، عمداً، من تنفيذ احكام هذا الدستور، وخصوصاً المادتين 95 و22 منه، المتعلقتين بالغاء الطائفية السياسية، وبانتخاب مجلس نيابي لا طائفي.

وبعد، ألا يصح القول إن المجتمع اللبناني، الذي لا يزال ينتج طبقة سياسية تهمل، عمداً، وعلى مدى نحو عقدين من الزمن، اتخاذ قرارات حاسمة بتطبيق الدستور والغاء "الطائفية" من الحياة السياسية، في لبنان، دون أن يتحرك لمحاسبتها، هو مجتمع متخلف وطائفي؟

المصدر:
النهار

خبر عاجل