
في مفهوم المنطق العام ان اي حوار بين متخاصمين يجب ان ينطلق من قناعة مشتركة لدى المتحاورين بأن هذا الحوار يمكنه ان يكون بناء وهادفاً للتوصل الى نتائج ملموسة ترضي الطرفين المتحاورين – واهم ما يفترضه الحوار لكي ينجح – قبول كل طرف بأن يجلس مع الآخر بنية الاقتناع والاقناع.
فمع احترامنا لمبادرة الرئيس نبيه بري لا نرى في تلك المبادرة ما يشجع على السير في الحوار المقترح لأن مثل هذا الحوار ووفق الصيغة المقترحة – جربناه مراراً وتكراراً مع الفريق الاخر وعلى رأسه “حزب الله” في اكثر من محطة وفي اكثر من مناسبة.
والمؤسف ان يتحول الرئيس بري بالذات الى اداة تسوق لرؤية “حزب الله” بقفازات من حرير وكلام منمق وصيغ تصب في نهاية المطاف بالاتجاه الذي ينحاز الى فريق على حساب فريق بدل ان تأتي المبادرة شفافة وشاملة كل هواجس اللبنانيين… كل اللبنانيين.
ان الحوار في مفهومنا وسيلة لحل اشكال او للتوصل الى تسوية .. ولكن وللاسف وانطلاقا من عجقة المبادرات واخرها مبادرة الرئيس بري بات الحوار هو الوسيلة والهدف في آن… ذاك ان السعي الى الجلوس على طاولة حوار للبت بمواضيع تضرب عرض الحائط بالدستور والصلاحيات الدستورية المعطاة لرئيسي الجمهورية والحكومة المكلف هو بحد ذاته وتقوي وجه نظر “حزب الله” بطريقة غير مباشرة – ليس بالحوار الهادف والواعد والمنتظر بنتائجه…
فالرئيس بري الذي قاد حملة دستورية – غير موفقة – منذ اشهر لتبرير جدول اعمال جلسة غير عادية لمجلس النواب – مستشهداً بالفقه والعلم الدستوريين – لم يعمل بموجبهما في طرحه ورقته الحوارية اذ ان مجرد جلوس الافرقاء على طاولة الحوار للبت بالحكومة الجديدة شكلاً ومضموناً وبياناً وزارياً – يعد خرقا فاضحاً للدستور:
فالمادة (53) من الدستور هي التي تحفظ لرئيس الجمهورية الحق الدستوري في اصدار مرسوم تشكيل الحكومة بالاتفاق مع رئيس مجلس الوزراء المكلف… وليس طاولة الحوار.
والمادة (64) من الدستور هي التي تحفظ لرئيس الحكومة المكلف الحق الدستوري في اجراء الاستشارات النيابية الملزمة والتوقيع مع رئيس الجمهورية مرسوم تشكيل الحكومة ووضع بيانها الوزاري والتقدم في خلال 30 يوماً من تاريخ صدور مرسوم تشكيلها – من مجلس النواب بالبيان الوزاري لنيل الثقة… فلا دور لطاولة حوار ولا لصيغ حوارية في تعديل الدستور نصا وروحا…
الحوار المقترح لم يعد لدى بعضهم الا مجرد هدف وغاية بذاتها… بينما نحن نريده وسيلة فعالة ناجعة للوصول الى المبتغى…
فمجرد الجلوس على طاولة الحوار يريح الفريق الذي يتشبث بسياساته الانفصالية عن الدولة ويغطيه بموجب مشروعية الحضور والاعتراف به وباعماله وسياساته المنحرفة عن الاجماع والثوابت اللبنانية الجامعة…
فيما الحوار الذي نريده هو حوار الوضوح والصراحة وطرح الهواجس ومناقشة لب المشاكل بكل صراحة ووضوح وشفافية ومباشرة… لا تجميل… ولا مسايرة… ولا “زق صحون” او “تبييض طناجر”… هكذا كنا على الدوام وهكذا نبقى…
لا يمكننا بعد اليوم ان نستمر في لعب دور شهود الزور على ضرب هيبة الدولة والمؤسسات والدستور… كما لا يمكننا بعد اليوم السكوت على انحراف فريق من اللبنانيين باتجاهات صراعات محاور اقليمية ودولية تضر بلبنان واللبنانيين… وقد دفعوا خلال الاشهر الاخيرة ثمناً باهظاً في اقتصادهم وسياحتهم ومعيشتهم… والآتي اعظم ان استمر التهور وارتهان البلاد والعباد الى فريق ومن خلاله الى محاور خارجية واجندات اقليمية متناقضة.
يريدون الحوار هدفاً وغاية … ولهذا السبب ليس بحوار وانعقاده على هذا الاساس ووفق جدول اعماله المقترح لا يعدو كونه 7 ايار سياسياً جديداً على الدستور والنظام او ما تبقى من دولة.

اي حوار؟حوار طرشان ما بدنا؟