#adsense

لماذا مَنعَ حزب الله «نقل الأموال عبر الحدود»؟

حجم الخط

 

تصدّى حزب الله لمشروع قانون «نقل الاموال عبر الحدود» ومَنَع مروره في لجنة الادارة والعدل. وكانت المصارف تعلّق أهمية على هذا القانون لحماية البلد من الضغوطات الدولية المتعلقة بتييض الاموال، وتمويل الارهاب. ماذا ستكون تداعيات إسقاط القانون على الوضع المالي مستقبلاً؟

في اطار الحملة التي يخوضها مصرف لبنان، والقطاع المصرفي، لإبعاد الضغوطات الدولية عن لبنان، في موضوع تبييض الاموال وتمويل الارهاب، وبعد حادثة تلويح السلطات الفرنسية بادراج لبنان على اللائحة السوداء، كان يُفترض أن يقر المجلس النيابي قانونين لحماية لبنان. الاول يتعلق بتبادل المعلومات الضرائبية مع فرنسا. والثاني ينظم ويضبط خروج ودخول الاموال النقدية (كاش) من والى لبنان.

وحرصا من المصارف على ضمان مرور القانونين، وتسريع وتيرة العمل، قام وفد يمثل جمعية المصارف بزيارة رئيس المجلس نبيه بري، وطالبوه باستخدام “مونته” لكي يتم إقرار القانونين في اسرع وقت ممكن، لكي يكون لبنان قد التزم بتعهداته الدولية، خصوصا ان البلد لا يزال يتمتع بمزايا السرية المصرفية التي لم تعد متوفرة في أي مكان في العالم. وبالتالي، ولئلا نضطر يوما الى التخلي عن هذا الامتياز تحت الضغط، من الضروري التقيُّد بآليات محددة، تفرضها القوانين الدولية، ومن ضمنها قانون “نقل الاموال عبر الحدود”. وقد وعد بري في حينه بتلبية الطلب، بل انه سارع الى الاتصال امام الوفد بمن يعنيهم الأمر، ومن ضمنهم رئيس لجنة الادارة والعدل، روبير غانم، لكي يتم تسريع وتيرة العمل في مناقشة القانونين وإقرارهما.

خرج الوفد من زيارة بري متفائلا. وكانت الاجواء توحي بأن الامور ماضية نحو الانتهاء من هذين القانونين. بعد ذلك، ادلى النائب غانم بتصريح عقب أحد اجتماعات لجنة الادارة والعدل، أكد فيه ان لا اعتراضات تحول دون إقرار القانونين. وبرّر عدم الانتهاء منهما بفقدان النصاب، واعداً بانجاز المهمة في الاجتماع التالي، عندما يتوفر النصاب. لكن النصاب توفر فعلا، ولم يتم إقرار قانون “نقل الاموال عبر الحدود”.

في الجلسة الأخيرة التي عقدتها لجنة الادارة والعدل، برزت المفاجأة التي كان يحضّرها حزب الله، اذ أعلن مندوبه في اللجنة، رفض المشروع المتعلق بالتصريح عن نقل الاموال عبر الحدود، عندما تتجاوز قيمة المبلغ العشرين الف دولار. ولم يكن الاعتراض سلساً، ويرتكز على تعديلات بسيطة تستطيع اللجنة انجازها، بل ان الحزب أصرّ على رد المشروع برمته الى الحكومة. هذا الطلب، أشاع اجواء من القلق داخل اللجنة، التي يعرف أعضاؤها ان رد القانون، سوف يعطي اشارة سلبية الى الخارج، وقد يؤدي ذلك الى اتخاذ اجراءات بحق لبنان على مستوى دولي. انطلاقا من ذلك، جرت محاولات داخل اللجنة لاقناع مندوب حزب الله، بالاكتفاء بتجميد المشروع من دون الاعلان ذلك، بانتظار الفرج من مكان ما. وقد جرى التوافق على هذا المخرج المبهم، واتُفق على إبقاء المشروع في اللجنة، ودرس احتمالات التعديل التي قد ترضي الحزب وتدفعه لاحقا الى الموافقة على القانون.

وفي هذا الاطار، ووفق المعلومات التي تسربت من داخل اللجنة، يعتبر حزب الله ان بعض مندرجات القانون، تشكل خطرا على سرية امتلاك الاموال، ونقلها الى الداخل والخارج. كما انها تتيح تكوين قاعدة معلومات عمن يتداول بالاموال النقدية، وتسريبها الى جهات خارجية قد تستخدمها لأغراض لا علاقة لها بمكافحة تبييض الاموال.

ومن المعروف، ان حزب الله يعتمد في كل معاملاته المالية على النقد، ولا يستخدم اية وسائل مالية اخرى، مثل الحوالات المصرفية، او الشيكات او اية آداة مالية من الآليات المعتمدة في الاسواق. وبالتالي، فان الحزب، وان كان قادرا بنفوذه على إدخال او إخراج الاموال النقدية حاليا الى البلد من دون رقابة، الا انه لا يريد وجود قانون جاهز يمكن استخدامه في المستقبل لاعاقة حركة امواله أو مراقبتها.

بانتظار ردة الفعل الدولية عندما سيضطر لبنان الى الاعلان عن عجزه إقرار قانون نقل الاموال عبر الحدود، وهو بالمناسبة قانون دولي، يُعمل به في كل دول العالم تقريبا، يشعر القيّمون على القطاع المصرفي بالقلق، ويأملون في أن ينجح مصرف لبنان في إدخال تعديلات على المشروع ترضي حزب الله، ولا يعترض عليها المجتمع الدولي، على اعتبار ان التعديلات التي يشترطها الحزب، قد تطيح ببنية القانون والهدف الذي قام من أجله، وبالتالي، لا يجدي نفعا إقرار قانون معدّل اذا كان سيُرفض من الهيئات الدولية التي تراقب هذا الموضوع. من هنا، تبدو مهمة البنك المركزي صعبة ومعقدة، وقد لا يكون التوصل الى نقطة مشتركة تحظى بموافقة حزب الله والجهات الدولية متاحا.

حاليا، لا خوف من ردود فعل دولية على المدى المنظور، على اعتبار ان لا جلسات للهيئة العامة للمجلس النيابي، وبالتالي، لن تكون هناك ضغوطات دولية في الوقت الراهن. لكن عندما تعود الامور الى طبيعتها، ويصبح المجلس قادرا على عقد الجلسات، ستعود الضغوطات الخارجية الى المربع الاول، خصوصا بعدما يصبح متعذرا إخفاء وجود مشكلة حقيقية تحول دون إقرار القانون المطلوب. وما دام الاقتصاد يعاني ما يعانيه من دون الحاجة الى ضغوطات خارجية على قطاعه المالي، فان المجازفة باستجلاب هذه الضغوطات، من شأنه تعريض الوضع المالي الى مخاطر لن يسلم البلد واقتصاده من تداعياتها اذا لم يتم استنباط المعالجات قبل الوصول الى مرحلة المحاسبة.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل