من قمة الرياض إلى قمة بعبدا
يحتاج إقرار الموازنة العامة في لبنان من دون فرض أرقام عليها إلى انعقاد قمّة، ويحتاج إجراء تعيينات إدارية روتينية كما في كل دول العالم إلا في لبنان إلى انعقاد قمة، ولا يحتاج فعل ممارسة الحياة السياسية اليومية بين الحكومة والمعارضة إلا في لبنان إلى "حكايا" التوافق الوطني وانفجارات تهدد الأوضاع و "مدري كم 7 آلالاف أيار" واتفاق دوحة، وإلى انعقاد قمة!!
أخيراً التقى الرجلان وبينهما رأس البلاد، وعلى مائدة العشاء كزدرت الـ 60 مليار ليرة جيئة وذهاباً، إذن ستخرج الموازنة إلى النور، وسيتفق الرئيسان بعد "تذابح" و"ردح" وتطاول غير مسبوق في تاريخ الرئاستين الثانية والثالثة على مخرج ما، وستعرض ضحكة رئيس المجلس النيابي، وسيختصر رئيس الحكومة الموقف ـ الحل ببيت من عيون الشعر العربي!! وسيضحكان، بعدما تركا البلد "مهزوز البدن" ليل نهار إلى حد أثار مخاوف وشائعات عن 7 أيار جديد، وعن معارك تكسير عظم بين الطرفين، الرجلان سيتفقان على مخرج ما وستدفع هذه الـ 60 ملياراً ولو على دفعات!!
أما كان الأجدى والأصلح للبلاد والعباد أن ينعقد "بلا زغرة" لقاء قمة العشاء الثلاثي قبل "الترادح" المتبادل؟ وهل كان توقيت القمة "العشائية" اللبنانية متناغماً مع موعد القمة العربية المصغرة في الرياض؟ وهل هناك بلد في العالم "يحرد" فيه رئيس البرلمان ويستنكف عن لقاء رئيس الحكومة من أجل بضعة مليارات، وهل هناك بلد تهدر فيه المليارات مثلما تهدر في بلادنا؟!
أخيراً نجح رئيس البلاد ـ وليتخيل العالم هذا الإنجاز اللبناني العظيم ـ في جمع رئيسي مجلس النواب والحكومة تحت سقف واحد، بعد نفور وسجالات و"هجمات" شرسة من نواب ناطقين بالنيابة عن لسان رئيس المجلس صاحب الطلاقة في التعبير، وردود المكتب الإعلامي لرئيس الحكومة صاحب البلاغة اللغوية الفائقة وصاحب "الإعجاز في الإيجاز"، فهل يفرج عشاء القمة الرئاسي عن مشروع موازنة الحكومة للعام 2009؟!
لقد سُرّ اللبنانيون أيما سرور بلقاء الرجلين، وأسفوا أيما أسف لما آلت إليه الحال والأحوال في بلادهم، فبدلاً من انشغال الرئاسات الثلاث بشؤون وشجون المواطن "المعتر" انشغلت الرئاسة الأولى في "التوفيق" بين رأسين في الحلال وحلّ عقدة الموازنة "معجلها ومؤجلها"، ويتفرج اللبنانيون بحسرة على سير بلدهم المتعطل، ويتوجسون خيفة ويحذرون شراً من استمرار هذا الحال والأسلوب بعد انتخابات حزيران المقبل، والتي بحسب الرياح الدمشقية لن تقدم ولن تؤخر شيئاً في الواقع السياسي اللبناني !!
ومن عجب ما قد يراه مواطن في أية دولة "اجتماع" حكومة ومعارضة في "حكومة واحدة"، ومن عجب الأشياء أن الخاسر والفائز بأقلية أو أكثرية في الحكم "يستويان"، بل ويسيطر ذو الأقلية على "رسن" قيادة البلد، وبالطبع هو "رسن" لأن البلد الذي يرضى بأن يمسك بخناقه معارض نهوضه وقيامة دولته يستحق بجدارة أن يفشل في إنجاز أي شيء في الحكم!! ومن عجب الأشياء أن الذين لا يمثلون إلا "عشر زلم بالكتير" يقترح البعض حق "دحشهم" جلوساً إلى طاولة الحوار المعطلة أصلاً عن الحوار، لأنها ليست أكثر من محاورة ومناورة !! ومن عجب الأشياء أن "يتفق من لا يتفقون" في برامجهم السياسية الأساسية على أمر واحد فقط، أننا بلد الديموقراطية "التوافقية"، وهذا اختراع لبناني معناه بالعربي الفصيح "ديموقراطية التواطؤ والتكاذب" على أنفسنا وعلى العالم أيضاً، وعلى وجه الحقيقة هذا "تلفيق" لا "توفيق"!!