تتّجه أنظار الجميع هذا الأسبوع الى نيويورك لرصد الحراك السياسي والديبلوماسي الذي ستشهده أروقة الأمم المتحدة، في ظل توقّع صدور كثير من المواقف حول العديد من الملفات.
تكتسب دورة الجمعية العمومية للأمم المتحدة هذه السنة أهمية استثنائية نظراً الى التطوّرات الأخيرة في ملفّي الأزمة السورية والنووي الإيراني، فضلاً عن ملف المفاوضات الإسرائيلية ـ الفلسطينية، وسط توقّعات بحصول إختراق مهمّ فيها.
ففي الملف السوري، يبدو أن لا شيء سيعوق تنفيذ الإتفاق الأميركي ـ الروسي في الصيغة التي وضعها وزيرا خارجية البلدين جون كيري وسيرغي لافروف في جنيف، بعد “كشف” الحساب العلني والواضح الذي قدّمه النظام السوري عن سلاحه الكيماوي الى منظمة حظر الأسلحة الكيماوية في لاهاي الجمعة الفائت، في نهاية المهلة التي حدّدها كيري وذكّر بها مجدّداً الأسبوع الماضي.
وقد “دُهشت” الدوائر العسكرية الأميركية من حجم هذا الملف ودقته وغزارة المعلومات التي تضّمنها كشف الحساب. حتى إن الإسرائيليين عبّروا في وضوح عن “رضاهم” الكامل وتوقّعهم أن يلتزم النظام تدمير ترسانته الكيماوية بنسبة لا تقلّ عن 90 في المئة!
ويلخّص مصدر أميركي مطّلع، في دردشة غير رسمية، الأحداث المتوقّعة عشية اجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة، قائلاً: “إنّ مجلس الأمن الدولي في طريقه الى إقرار صيغة مقبولة لدى جميع الأطراف حول مستقبل تطبيق الإتفاق “الكيماوي”، بعدما تمّ التأكد من صدقية التزام سوريا بموجباتها، بدليل التزامها الكامل بكشف كل المعلومات عن ترسانتها الكيماوية وفي الوقت المحدّد، وبالتالي لم يعد مهمّاً كيف يمكن التأكد من إلزامها بتطبيق الإتفاق، خصوصاً انّ النقاش الحقيقي يدور حول مستقبل العملية السياسية فيها”.
ويعتبر المصدر “أنّ حلّ عقدة مستقبل الرئيس السوري بشار الأسد لم يعد وظيفة الولايات المتحدة، خصوصاً انّ الرئيس الأميركي باراك اوباما أكّد مجدّداً لنظيره الروسي فلاديمير بوتين خلال قمّة “سان بطرسبرغ”، انه لا يرى أي مستقبل له في سوريا، وكل المداولات و”المماحكات” الديبلوماسية والسياسية الجارية تدور تحت السقف السياسي الذي وضعته واشنطن لإدارة المرحلة المقبلة. وتعلم موسكو بالدور الذي أُعطي لها في هذا الملف، وهي مقتنعة به، في معزل عن الإستعراضات الإعلامية الجارية على هذا الصعيد”.
وفي رأي المصدر نفسه “أنّ الملف الثاني الذي سيشهد انفراجات مهمة، هو الملف النووي الايراني. وإذ يؤكد أنّ كيري سيلتقي نظيره الإيراني محمد ظريف، سواء ثنائياً او ضمن اللقاء الوزاري للدول الخمس زائداً واحد، لم يستبعد حصول مصافحة يجري ترتيب ظروفها بين الرئيس الأميركي ونظيره الإيراني حسن روحاني. ولعل نائب مستشار الرئيس الأميركي لشؤون الأمن القومي بن رودس، كان الأكثر وضوحاً في ترجيح حصول اللقاء بين الطرفين، على رغم تأكيده أن “لا خطط خاصة لحدوث ذلك”.
ويتحدّث المصدر عن تنسيق أميركي ـ إسرائيلي لعلّه الأكبر بين الطرفين، استعداداً لتحقيق تغيير استراتيجي في مسار هذا الملف، مع صدور لائحة الشروط الإسرائيلية الخاصة به، وفي ظل تنسيق مباشر وغير مباشر مع الروس ايضاً.
ويعتقد المصدر أنّ قراراً استراتيجياً يحتاج الى تأكيدات للتثبّت من جديته، اتّخذته طهران في طريقة تعاملها مع علاقاتها مع المجتمع الدولي، خصوصاً مع واشنطن، بعدما وصلت مواجهتها في ملفها النووي الى حائط مسدود، والتهديدات الخطيرة غير المسبوقة لاستقرارها السياسي والإقتصادي والأمني.
ويشير هذا المصدر الى المسار الذي اتّخذه ملف السلاح الكيماوي في سوريا، ويعتبره نموذجاً قد يحتذى في معالجة الملف النووي الإيراني. ورغم أنّ الأمور لا تزال غير محسومة حتى الساعة، يبدو أنّ مرحلة من إعادة بناء الثقة في طريقها نحو الإستكمال، في ظل الرسائل المتبادلة وحركة الموفدين، العلنية منها والسرّية، التي نشطت في المرحلة الأخيرة، في معزل عن المزايدات وسياسة عرض العضلات لأطراف في النظام الإيراني أو لحلفائه.
ويقول المصدر نفسه إنّ الأمور إذا سارت بإيجابية، فإنّ سياسة الإحتواء التي أعلن أوباما انتهاجها مع طهران منذ انتخابه قبل نحو خمسة أعوام، قد تصل الى غاياتها، ولا شيء يمنع في المستقبل القريب إستقبال روحاني في البيت الأبيض…
وعلى الرغم من أنّ الأمر قد لا ينهي النزاعات في المنطقة، خصوصاً انّ تعقيدات المصالح الإقليمية والدولية ومواقف الأطراف الداخلية، قد لا يمكن استيعاب مفاعيلها بجرّة قلم واحدة، إلّا أنه يُمكن القول إنّ لحظة سياسية استثنائية تجري محاولات لالتقاطها، في ظل قرار أميركي يعيد ترتيب أوراق واشنطن على قاعدة سياسة جديدة ترى أنه من الأفضل، بل من غير الضروري، التورّط في أي حروب جديدة في منطقة لا تبدو أنّ أمورها تبعث على التفاؤل، في ظل انقساماتها العمودية والكيانية غير المسبوقة منذ نحو قرن من الزمن.
ولا شيء يوحي حتى الساعة بأنّ أمراً داهماً يجبر الإدارة الأميركية الحالية، أو اي إدارة أُخرى، على إعادة النظر في سياستها تجاه المنطقة. وينبغي التذكير بأنّ العقيدة العسكرية الأميركية الجديدة التي أرساها اوباما عام 2011 تقوم على تقليص حجم القوة العسكرية الضخمة وعدم التورّط في حروب مباشرة، لمصلحة حروب تنفّذها وحدات نارية تعتمد أسلحة متقدّمة تكنولوجياً، لا حاجة فيها لمواطئ قدم جغرافيّة.