التشكيلات والمصالحة أعطته زخماً عشية زيارة الدولة لباريس
سليمان يفيد من المصالحات العربية لاستعادة الدور المرجعي
يتوجه رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان مطلع الاسبوع المقبل الى باريس في زيارة دولة، شاءتها العاصمة الفرنسية رسالة قوية داعمة لموقع رئاسة الجمهورية في لبنان وللدور الذي يقوم به الرئيس سليمان، معززاً بانجازين مهمين تحققا في الايام الأخيرة بعد اشهر من المراوحة احدهما صدور التشكيلات القضائية بعد سنوات من التعطيل مارسها سلفه على هذا الصعيد، والآخر هو الجمع بين الرئيسين نبيه بري وفؤاد السنيورة في عشاء مصالحة لم تأخذ من وهجه المصالحة التي جرت تزامناً في الرياض بين المملكة العربية السعودية ومصر وسوريا الى جانب الكويت. فهذان الانجازات مهمان بالنسبة الى رئيس الجمهورية لأنهما يحصنان موقعه ويطلقان آلية ممارسة مهماته بعدما ساهمت التشنجات السابقة في اقتصار دوره حتى اليوم – بالاضافة الى تكريس موقع رئيس للجمهورية في لبنان – على ادارة حوار وطني حول سلاح "حزب الله" ليس سهلاً التوصل الى نتائج سريعة منه لارتباطه بمجموعة عوامل اقليمية خارجة عن قدرة رئيس الجمهورية وقدرة لبنان ككل.
وترى مصادر سياسية مطلعة ان بداية الحلحلة بين الدول العربية على ضفتي النزاع الاقليمي انعكست ايجاباً على الاجواء السياسية في لبنان في جهود سارع رئيس الجمهورية الى التقاط الفرصة من أجل توظيفها في قطف الثمار على الصعيد الداخلي. فكان صدور التشكيلات القضائية كسباً حقيقياً له بعد التعطيل الذي مارسه سلفه في هذا الملف بصرف النظر عن التحفظ او حتى الاستياء الذي عبر عنه رئيس "التيار الوطني الحر" العماد ميشال عون ولاحقاً "حزب الله" وان بنسبة اخف من المعارضة التي ابداها حليفه المسيحي، نظراً الى رضى الرئيس نبيه بري وموافقته على ذلك. لكن صدى هذه المعارضة لم يكن قوياً لاعتبارات من بينها ان صدور التشكيلات بعد اعوام من التعطيل هو في ذاته انجاز حاولت المعارضة التغطية عليه بالتحفظات التي أبدتها من دون نجاح كبير، فضلاً عن ان افراط "التيار الوطني الحر" في ابداء معارضته لكل شاردة وواردة تحت شعار انه يقف في وجه مشاريع الاكثرية في الحكومة، وهو جزء من هذه الأخيرة ويشكل مع حلفائه الثلث المعطل فيها، افقد معارضته لموضوع التشكيلات زخمها واثرها، خصوصاً اذا ما اخذ في الاعتبار ان الاعتراض هو سياسة يعتمدها "التيار" على طول الخط ويخوض على اساسها كل معاركه مع الآخرين، فكيف ولبنان على ابواب الانتخابات النيابية، علماً ان التصريحات التي صدرت عن نواب "التيار" تناقضت بين الدفاع عن استقلالية القضاء وبين عدم حفظ الحصة المطلوبة في العيينات القضائية، خصوصاً بالنسبة الى اسماء ثلاثة قضاة كان يرغب "التيار" في تسميتهم في مواقع معينة.
ثم ان نجاح سليمان في رأب الصدع بين رئيسي مجلسي النواب والحكومة وإن بتأثير الرياح الايجابية التي بدأت تهب من الدول العربية او ارتباط نجاح المسعى بها لا يفقده وقعه بل عل النقيض. اذ سبق أن تبلغ المسؤولون اللبنانيون الكبار من مسؤولين عرب منذ قمة الكويت ثم في لقاء شرم الشيخ من أجل اعادة اعمار غزة ان الدول العربية تسير في اتجاه المصالحات وان مجموعة من اللقاءات ستعقد لهذه الغاية بما فيها اللقاء الأخير في الرياض. ولذلك لم يكن التبدل في الاجواء العربية مفاجئاً بأي من المقاييس، وعمل الرئيس سليمان على مواكبته بما سمح له بضرب اكثر من عصفور بحجر واحد اذا صح التعبير. فمن جهة أمن المصالحة بين الرئاستين الثانية والثالثة بما يمكن ان يساهم اكثر فأكثر في تهدئة الاجواء وتذليل العقد أمام حلحلة بعض المسائل الشائكة، مثل مشروع اقرار الموازنة العامة ثم التعيينات الادارية العالقة والضرورية ليقلع عمل المؤسسات كالمجلس الدستوري وسواه. ومن جهة اخرى دعم موقفه كمرجعية فوق الجميع وتضطلع بدور متوازن كحكم عشية توجهه الى باريس التي تدفع في هذا الاتجاه أكثر فأكثر وتبدي حرصاً كبيراً على ان يستمر سليمان في هذا الدور تحديداً أكثر من تحبيذها وجود كتلة نيابية داعمة لرئيس الجمهورية خشية ان تطال هذا الموقع تحديات كبيرة نتيجة لرفض سوريا في شكل خاص – وفق ما لمس المسؤولون الفرنسيون بأنفسهم لدى زيارتهم لكل من دمشق وبيروت مطلع السنة الحالية – ان يتمتع هذا الموقع بقوة شعبية وسياسية تمده بالقوة وبهامش كبير من التحرك. وهذا الدور مهم بقدر ما انه اول دور مرجعي توفيقي من هذا النوع يقوم به رئيس الجمهورية بعيداً من الوصاية السورية التي كانت تتحكم في المصالحات خلال عهدين رئاسيين ممددين بعد اتفاق الطائف، وكانت هي المرجعية في مثل هذه الاحوال او الراعية، وهذا الأمر تخشى اوساط سياسية معينة التنبه اليه من خلفية يمكن ان تعطي موقع الرئاسة القوة من خلال كتلة نيابية او من خلال اي أمر آخر، مما يفسر الالتفاف على اي مسعى جديد قد يصب في خانة دعم الرئاسة كمرجعية افتقدها لبنان طويلاً.