طبعاً هذا الإبداع الجديد الذي يفترض أن يُمنح بسببه الجنرال عون شهادة إختراع، ليس غريباً عن “ابداعات” الجنرال الكثيرة في عالم السياسة والعسكر التي خبرها اللبنانيون جيداً، كما لا يبتعد عن سلوكياته في إختلاق الأعداء المفترضين ليظهر نفسه في مظهر المضطهد، لكن هذا الإختراع يكرّس ثابتة أساسية يصعب تخطيها أو القفز فوقها، وهي أن جنرال الرابية لا يزال ينطق بلسان حزب “البعث” الآيل الى الإنقراض وينهل من معينه، وها هو الآن يستعير منطق بشار الكيماوي، على قاعدة “من ليس معنا فهو مع الإرهابيين والتكفيريين”.
هكذا وبكل بساطة لم يجد الجنرال عون في الرئيس سلام الا حليفاً لـ”جبهة النصرة”، لا لشيء الا لأن الأخير لم يخصع لإملاءات طهران ودمشق وحارة حريك، ولأن إبن صائب سلام لم ترتعد فرائسه بعد من الأصابع المرفوعة والأصوات المزمجرة والرؤوس الحامية، التي تهدده بالويل والثبور وعظائم الأمور إذا ما تخطى خطوطهم الحمر التي يلوحون بالرد عليها بقمصان سود جديدة قد تحتل المصيطبة، إن هو خرج عن مسلمة حكومة الأحجام والأوزان، وتجاسر على تجاهل معادلة “الجيش والشعب والمقاومة” التي هي ليست أكثر من شماعة لتبرير السلاح غير الشرعي وعبره التحكم بمصير البلاد والعباد. أو إذا اقترب من “محرمات” الجنرال في الحقائب الوزارية.
من المؤكد أن ما قصده الجنرال بحلف “جبهة النصرة” ليس الجماعات المتطرفة التي تحارب اليوم الثوار السوريين وتشكل خنجراً في خاصرة الثورة ومقاتليها الأحرار، إنما مغزاه الفريق اللبناني الذي يخاصم الجنرال ومن معه وخلفه وأمامه في السياسة ولا يتفق معهم في إدارة شوؤن البلاد، الذين جعلوا من لبنان وشعبه رهينة الأجندة الإيرانية ـ البعثية، علماً أن عون يعرف وهو على يقين، أن “النصرة” وغيرها من الجماعات المتطرفة التي تقاتل على أرض سوريا وتقتل بدمٍ بارد، إنما خرجت من رحم “البعث” السوري، وهي ليست الا نسخة منقحة عن شبيحة الأسد التي دربتها المخابرات السورية ودفعت بها الى ساحات القتال لمحاربة الجيش السوري الحر، والثوار الأشراف، ليقدمها السفاح بشار الأسد ذريعة على أنها الصورة البديلة لنظامه في حال سقوطه، ويدفع بها الى تصفية الأقليات في سوريا، والإعتداء بالأخص على المسيحيين وغيرهم، تماماً كما النموذج الذي قدّم في معلولا، بغضّ النظر عمّا إذا كانت تلك المعلومات صحيحة أو مضخمة. ليتولى عون الترويج له وإثارة الغرائز حولها مقدماً للعالم الحجج على أن حليفه الأسد وحده من يشكل الضمانة لبقاء الأقليات وحمايتهم في سوريا.
صحيح أنه لا مجال لمناقشة نوايا “جبهة النصرة” والبحث عن موروثها ومنشئها وأمكنة إنطلاقها وكيفية تمددها، وبغضّ النظر عن التذكير بأن مقاتلي “النصرة” هم أنفسهم من دربهم النظام السوري في معسكراته، وأرسلهم ويرسلهم لتفجير المقامات الدينية الشيعية في العراق، كما أرسلهم بالسيارات المفخخة الى بغداد والموصل والنجف والأنبار وغيرها، الاّ أن هناك حقيقة أكثر بشاعة وإجراماً وفتكاً من جرائم النصرة إرتكاباتها، وأخطر منها بآلاف المرات، وهي أن الجنرال عون هو حليف النظام الذي قتل شعبه أطفالاً ونساء وشيوخاً بالأسلحة الكيميائية، وهو نفسه كان حليفاً لصدام حسين الذي أباد ابناء شعبه بالسلاح الكيميائي في حلبجا، بمعنى اوضح من يتباهى بأنه في الحلف الكيماوي لا يحق له أن يتهم الآخرين بالتحالف مع “جبهة النصرة” التي هي حليفته من حيث يدري أو لا يدري. وهذا الواقع يطرح أكثر من سؤال عمّا إذا كانت الصدف وحدها وضعت عون في حلف أنظمة القمع والإستبداد والإبادة بالأسلحة الكيميائية والأسلحة الأخرى التي لا تقل عنها فتكاً. ويكفي اللبنانيين أن يتذكروا تلك الدماء التي سالت، والأرواح التي زهقت والأسر التي هجرت في الداخل وفي بلاد الشتات جراء حروب التحرير والإلغاء، والتي لم تكن الا حروب إبادة “شعب لبنان العظيم” من أجل التربع على الكرسي، وهي نفسها التي يبيد فيها بشار الأسد “شعب سوريا العظيم” من أجل الحفاظ على هذه الكرسي.