#adsense

“منشار” دمشق ناشط على كل المسارات

حجم الخط

إنجاز المصالحة معلق على اختبارات ميدانية أولها في غزة التي تعني الأمن القومي المصري مباشرة
"منشار" دمشق ناشط على كل المسارات

ربما هذه المصالحة العربية ـ العربية في قمة الرياض، هي واحدة من أفضل المصالحات العربية التي عقدت منذ زمن طويل. أفضل ما في هذه المصالحة، تواضع نتائجها والإعلان عنها. حصر النتائج في وضع آليات لحل الخلافات وليس حل الخلافات، يعني أنه لم تقفل صفحة الماضي بصيغة "عفا الله عما مضى". الواقعية العميقة كما يبدو التي ميزت أعمال القمة التي فرضت هذا التوجه وهذا الإعلان الذي يؤكد إمكانية البناء عليه مستقبلاً، إذا جرى العمل بشروط هذه الآليات.

مستقبل لبنان والعراق قضية مصيرية

من الواضح جداً، أن المصالحة الناجزة تتطلب اختبارا للنوايا وأن كل "لبنة" في البناء المتوقع اشادته على هذه النتائج المعلنة، ستكون موضع دراسة ومراقبة وتجربة. من المؤلم أن يكون الوضع العربي قد وصل الى هذه الدرجة من انعدام الثقة التي يجب بذل جهود ضخمة لإزالتها ولبناء الثقة الضرورية لبناء ما هو مرغوب في ظل مفترق طرق وتضع العالم العربي كله من دون أي مبالغة أمام خيارات مصيرية وهو غير مستعد لها مثلما حدث في الماضي وان بدرجات متفاوتة.

شددت دمشق في تقويمها لأعمال القمة بأنه من غير المقبول "الاختلاف حول القضايا الجوهرية، الباقي وان كانت قضايا مهمة فالاختلاف حولها مسموح". مهما جرت عملية الفرز للقضايا، فإن النتيجة واحدة. القضايا المصيرية اليوم لم تعد محصورة كما في السابق بالقضية الفلسطينية. مستقبل العراق ولبنان يشكلان حالياً جزءاً من القضايا المصيرية. حتى العلاقات بين العرب وإيران تحولت في السنوات الأخيرة الى قضية مصيرية. التحالف السوري ـ الإيراني ساهم كثيراً في هذا التحول الى جانب الموقف الإيراني الايديولوجي والسياسي من هذه القضايا المصيرية.
من الواضح أن الأولوية حالياً هي غزة. هذا القطاع يشكل الاختبار الاول والكبير لرؤية دمشق وتنفيذها للمصالحة.

دمشق تعاملت مع ملف غزة باستخفاف حقيقي حول أهميته العميقة والأساسية على الأمن القومي المصري. لا يمكن لدمشق أن تكون جاهلة بخطورة وضع غزة على الأمن القومي المصري، ومع ذلك فعلت ما فعلته بالتفاهم والتعاون مع طهران لتضغط على مصر حتى النهاية. ربما أرادت ضمن "سلة" من الأهداف ان تعطي القاهرة اشارات على أهمية لبنان بالنسبة لها ولامنها القومي والسياسي والاقتصادي. مع العلم أن الفارق كبير جداً لأن تطور الخلافات حول فلسطين مصيري للعرب في حين أن الخلاف حول لبنان يبقى في دائرة المصالح التي مهما كانت مهمة فإنها ليست ضمن خلافات على الوجود.

فرز دمشق للقضايا الخلافية وغير الخلافية، يدل بوضوح شديد على محاولتها متابعة مسارها القديم بلغة جديدة. لبنان، للبنانيين مسألة مصيرية. من حق اللبنانيين أن يكون مستقبلهم خارج المساومات والمقايضات، لكن لا يبدو أن دمشق قد اقتنعت بذلك. لأن مجرد قبولها بذلك يعني خسارتها "لورقة" أساسية لها على طاولة المفاوضات القادمة سواء آجلاً أم عاجلاً.

المفاوضات على مدارين. الاول مع واشنطن والثاني مع إسرائيل. النجاح في المدار الاول هو الأساس. كلما كان سريعاً وناجزاً، كلما ارتاحت دمشق، المصالحة مع واشنطن تعني التفاهم حول "سلة" كاملة ومتكاملة.

المدار الثاني مع إسرائيل مفيد ومثمر لتحصين دمشق في مواجهة واشنطن، بالنسبة لدمشق ليس النجاح في هذا المدار ملح ولا هو ضروري. كلما طالت المفاوضات غير المباشرة ومن ثم المباشرة يكون ذلك أفضل لدمشق، التي تريد منها الحصول على "براءتي ذمة" واحدة في مواجهة واشنطن وأوروبا، بأنها مع السلام والحل السياسي بكل ما يتعلق بالنزاع مع إسرائيل، والثاني في مواجهة طهران، بأنها لا تفاوض لتوقيع الصلح مع إسرائيل وانما تفاوض للتفاوض لتقطيع الوقت في مواجهة الضغوط الغربية عليها.

فك التحالف الإيراني ـ السوري

بانتظار فتح باب المفاوضات، وهي بدأت عملياً مع واشنطن خصوصاً بعد زيارة فيلتمان مساعد وزيرة الخارجية لشؤون الشرق الاوسط وشابيرو المسؤول عن الشرق الاوسط في مجلس الامن القومي لدمشق. لكن الامور مازالت في بداياتها. واشنطن ما زالت تختبر "الارض" التي ستسير عليها مع دمشق، خصوصا وان الثقة تكاد تكون صفرا. ثم ان حاجزاً اساسياً يقف امام الاسراع على هذا المسار، وهو التحالف القائم بين دمشق وطهران.

واشطن تريد ومعها العرب علناً او ضمناً، فك دمشق تحالفها مع طهران. الواقع يؤشر حتى الآن ان "الطلاق" لن يقع في المستقبل المنظور، خصوصا وان معظم المنتظرين او المتوقعين يعتقدون ان "الزواج" بين طهران ودمشق هو "زواج متعة"، ولذلك يمكن الغاءه مع مرور الفترة المحددة. طهران تؤكد ان العلاقة التي ارساها الرئيس الراحل حافظ الاسد مع بداية الثورة شكلت أحد "أغنى" مفاعيل الإرث الذي تركه للرئيس بشار الأسد. اكثر من ذلك فان طهران مقتنعة بأن وفاء الرئيس بشار الاسد لهذه العلاقة الموروثة كان ومازال عميقاًَ ومنفذاً بحيوية الشباب الى درجة انه ليس من السهل الغاء مفاعيله ان لم يكن نوعاً من المستحيل.

العرب يريدون بدورهم فك هذا التحالف بين دمشق وطهران، لان مفاعيله قائمة ومؤثره في القضايا المصيرية او الجوهرية الثلاث وهي فلسطين والعراق ولبنان، وهو يحرجهم اكثر فكثر على مستوى خريطة المنطقة في السلام والحرب معاً. دمشق تفهم هذا القلق وهذه الرغبة العربية، وهي بدلاً من ان تتعامل مع ذلك بتفهم وتعاون، فانها كعادتها وتأكيداً لطبعها وليس تطبعها تعمل على استثمار هذا التحالف للطلب اكثر فاكثر دون ان تقدم اي تنازل.

مثل "المنشار" تحصل دمشق على ما تريده. بعد القمة بشرت دمشق بان تغيراً ايجابياً سيبدأ في العلاقات الايرانية العربية. فهذا تبيعه دمشق من "كيس" الاثنين الذي لا تملكه. اذ كيف يمكن التوفيق بين ما تعمل عليه طهران منذ ثلاثة عقود وما يرفضه العرب منذ البداية؟ لا يمكن لطهران وهي امام مرحلة دقيقة وحساسة ومستقبلية عن كل ما عملته لترتقي بموقعها السياسي الى هذه "القمة" التي تؤهلها لإعتراف واشنطن بها، لا لدمشق ولا لغيرها.

كذلك فان إقحام "حزب الله" و"حماس" على مسار المفاوضات المباشرة، يؤكد مرة اخرى حتى ولو كان هذا الإقحام معلقًا على شرط واجب. ان دمشق تعمل على عودة وحدة المسارات في مسار واحد ما يمكنها من استثماره لمصلحتها في المفاوضات. طبعاً "حزب الله" وحتى "حماس" لن يلبيا الدعوة لمفاوضات مباشرة، في اطار خدمة المفاوض السوري. خصوصا وان في كل هذا العرض والطلب يوجد الطرف الايراني الذي له كلمته الاساسية.

هذه المصالحة ضرورة فرضتها التطورات الدولية والإقليمية، لأنه لا يمكن التعامل مع إدارة الرئيس باراك أوباما والخلافات العربية ـ العربية لا تزال عميقة وخطيرة، كما لا يمكن مواجهة التطرف الإسرائيلي بزعامة الثنائي بنيامين ناتنياهو وافيغدور ليبرمان بهذا الوضع العربي المخلخل والمهتز.
المهم أن يبقى اللبنانيون متيقظين والعرب "حاضنين" لهم حتى لا يقع لبنان كله تحت "منشار" دمشق.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل