غداة “درع الوقاية” التي وفّرتها مجموعة الدعم الدولية للبنان التي تحوّلت بمثابة “وعاء حاضن” دائم لـ”بلاد الأرز” في مسعاها لاقامة عازل بين واقعها المأزوم نتيجة الصراع الحاد المستعر منذ العام 2005 بين فريقيْ 8 و14 آذار وبين “الانفجار السوري” الذي صارت على خط ناره مع انخراط “حزب الله” عسكرياً فيه ومسلسل التفجيرات الذي ضرب في الضاحية الجنوبية وطرابلس، بدت الأنظار شاخصة على الترجمات الممكنة لبنانياً لاجتماع نيويورك على المستويات كافة السياسية والامنية والاقتصادية والمالية.
ورغم النجاح الاستثنائي للبنان ممثلاً برئيس الجمهورية ميشال سليمان في حشد دعم دولي لعنوان استقرار لبنان وجيشه وتحييده عن الصراعات الدائرة في سوريا وهو ما عبّر عنه اجتماع المجموعة العالمية التي ضمّت الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن والاتحاد الاوروبي والجامعة العربية والبنك الدولي ومجموعة الامم المتحدة الانمائية والمفوضية العليا لشؤون اللاجئين، فان الاوساط السياسية في بيروت لم تُظهر تفاؤلاً كبيراً بامكان ان يكون ما شهدته نيويورك في المرحلة الراهنة اكثر من “طوْق صمود” وفّره المجتمع الدولي للبنان بما يضمن عدم انهياره وتأمين مقومات الحفاظ على “ستاتيكو” الاستقرار وان بالحد الادنى ومواجهة العبء الهائل للنازحين اليه من سوريا، وذلك بانتظار ان يتحدّد أفق المشهد الاقليمي – الدولي الذي يرتسم من خلف خطوط التفاهم الاميركي – الروسي حول الملف السوري و”كسر الصمت” الذي يعد بفتح قنوات التواصل على اعلى المستويات بين واشنطن وطهران وامكانات تطبيع العلاقة بين ايران والمملكة العربية السعودية.
وبحسب هذه الأوساط، فان المجتمع الدولي يسلّم بان الدور العسكري لـ”حزب الله” ومساره يشكل “طبقة” من المفاوضات التي يمكن ان تنطلق بين الولايات المتحدة وايران من النووي لتشمل موقع طهران ودورها في كل من سوريا ولبنان في مرحلة ما بعد ايّ “صفقة كبرى”، الا أن هذا المجتمع وانطلاقاً من مجموعة الدعم الدائمة للبنان التي ستبقى على أهبة الاستعداد للانعقاد عندما تدعو الحاجة الى ذلك لمواكبة التطورات في “بلاد الأرز” انما أمّن “حاضنة” دولية للبنان يمكن ان تقيه شرّ ايّ استفراد له في مرحلة التسويات الاستراتيجية بحيث بات اي ترتيب لوضعه لا يمكن ان يتم بمعزل عن هذه “الحاضنة” التي من شأنها تأمين توازن يخفف من المخاوف من تكرار تجربة “تلزيمه” لسوريا بعد حرب الخليج الاولى وهذه المرة مع ايران “مكافأةً” على الليونة التي تصدر اشارات اليها في الملف النووي.
وفي السياق نفسه، تقلّل الاوساط عينها من واقعية التوقعات بان ما شهدته نيويورك و”جرعة الدعم” الاستثنائي الذي لقيه الرئيس سليمان من خلال لقاءاته البالغة الاهمية ولاسيما مع الرئيس الاميركي باراك اوباما او الرئيس الايراني حسن روحاني اضافة الى الاشادات البارزة بسياساته، ستجد ترجمات لها على صعيد ترجيح الخيارات الرئاسية ازاء ملف تشكيل الحكومة ولاسيما ان تأليف الحكومة بات ملحاً اكثر من اي وقت وخصوصاً على صعيد سعي لبنان لتسييل الدعم الذي لقيه على صعيد استيعاب النازحين السوريين وتقديم ما يلزم لهم من خدمات من ايواء وتعليم وصحة واستشفاء.
ومن هنا ترى هذه الاوساط ان المناخ الذي ساد في الساعات الاربع والعشرين الاخيرة حيال امكان سير سليمان والرئيس المكلف تمام سلام بحكومة “امر واقع” سياسية يشارك فيها طرفا الصراع اي 8 و 14 آذار بثمانية وزراء لكل منهما اضافة الى 8 وزراء للكتلة الوسطية بدا غير منسجم مع مرحلة محاولات ترتيب العلاقة السعودية – الايرانية التي تشهد اختباراً في هذا السياق خلال زيارة روحاني للمملكة لأداء فريضة الحج ولا مع المسعى الاميركي لانضاج تسوية مع طهران في الملف النووي، لتخلص الى ان اي ولادة لحكومة من جانب واحد في لبنان قبل زيارة رئيس الجمهورية للسعودية الاربعاء المقبل لا يمكن ان تُفسّر الا انها في اطار مباَركة من المملكة قبل ايام من استقبالها الرئيس الايراني.
ومن هنا ترى هذه الاوساط مردّ المناخ التراجُعي لرئيس الجمهورية عن الاتجاه لتشكيل حكومة قبل مطلع تشرين الأول، وهو ما كانت قوى 8 آذار فتحت النار عليه محذّرة من انه “مغامرة ستترك تداعيات كبيرة” قبل ان يطلق عليها النائب جنبلاط ما يشبه “رصاصة الرحمة” حين دعا الى اعادة النظر بصيغة 8 – 8 – 8 الحكومية، مشيراً الى أنّ “المطلوب حكومة جامعة لمواجهة المشكلات الكبرى التي يواجهها البلد”، مستغرباً ما سماها “الخبرية” التي انتشرت في صحيفة “لوفيغارو” الفرنسية (كلام سليمان)، مشيراً الى أنّ الكلام في الصحيفة يتناقض مع ما سبق أن أعلنه سليمان ورئيس الحكومة المكلف عن الحكومة الجامعة. وأكد أن “الأفضل تفادي الدخول في مساعي الوصول الى حكومة قد تُعتبر غير ميثاقية من البعض، والأفضل أن لا تكون حكومة تقصي أحداًط.
وتَرافق ذلك، مع ما اوردته صحف ووسائل اعلام قريبة من 8 آذار عن مصادر سليمان من أنّ ما نُقل في صحيفة “لوفيغارو” الفرنسية عن مهل حاسمة حددها لتأليف الحكومة غير دقيق، معتبرة أن “وقت التأليف طال، لكن ما قصده سليمان عن المهل هو المبادرة لاقناع القوى بتخفيف الشروط، وهو ليس بوارد توقيع مراسيم حكومة أمر واقع”، مؤكدة أن “سليمان سيكثف اتصالاته بالتعاون مع سلام لتأليف الحكومة”.