حكومة الوفاق الوطني ليست المشكلة بل "الثلث المعطّل"
التهدئة وضوابط أخرى محور تفاوض مقبل غير مباشر
هل يشكّل الكلام المستمر على التهدئة، التي اعطتها المصالحات العربية العربية جرعة قوية، الاجواء الملائمة لتأمين اجراء الانتخابات النيابية في مناخات سليمة؟ وهل تعطّل المصالحات "العدة الانتخابية"، من حملات واتهامات يلجأ اليها بعضهم، فتكون حملاته الانتخابية ضحية ما سيتكرس اكثر بين الدول العربية في قمة الدوحة اواخر الشهر الجاري؟ وما هي ترجمة الحديث الاخير للرئيس السوري بشار الاسد الى صحيفة "الخليج" الاماراتية حيث قال: "اذا كانت هناك قوى تريد ان تسحب التوافق تحت عنوان "انا رابح" بصرف النظر عمن تكون او من اي طرف، فالنتيجة هي تخريب الوضع في لبنان والعودة في اتجاه اللااستقرار بعد مرحلة من الاستقرار حصلت في اعقاب اتفاق الدوحة" معتبراً انه ينظر "الى الانتخابات في لبنان بهذه المنهجية"؟ وهل يكون هذا الكلام المؤشر او المعلم الرئيسي في هذا الاتجاه؟
ثمة جديد بدأ ينطوي عليه اكثر فأكثر ما تعلنه قوى المعارضة بدءاً برئيس مجلس النواب نبيه بري عن تبشيره المستمر بحكومة وفاق وطني لا بد منها بعد الانتخابات مرجحاً رئاستها للنائب سعد الحريري، وصولاً الى الكلمة التي ألقاها الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله حول الانتخابات ليس في تأكيد الدعوة الى التهدئة والاستمرار فيها فحسب بل ايضاً في عدم اسقاط احتمال عدم تبدل موازين القوى بعد الانتخابات. وهذا التوجه لم يكن وارداً في خطاب قوى 8 آذار في وقت سابق بأي شكل بل على النقيض من ذلك كلياً.
وثمة من يرى في التهدئة التي يصر عليها بعضهم شروطاً ضمنية وعلنية هي التي انطوت عليها المصالحات العربية العربية في الدرجة الاولى، وكذلك انطوت عليها الخطوط الحمر التي رسمتها قوى دولية امام قوى اقليمية في شأن التدخل في الانتخابات في لبنان او تهديد الاستقرار فيه بما يحول دون اجرائها والتأثير في نتائجها، في حين يرى بعض آخر في التهدئة شروطاً مرنة على غرار تلك التي تنطوي على شرط تشكيل حكومة وفاق وطني بعد الانتخابات ايا تكن اتجاهات الغلبة لفريق 14 او لفريق 8 آذار، بحيث ان عدم تأمين هذا الشرط مسبقا يمكن ان يثير حوادث تشاغب او تؤثر في الانتخابات ونتائجها. وكان الاتجاه الى الابتعاد عن المشاركة في الحكم في حال فازت المعارضة الحالية بالاكثرية النيابية برز خصوصا بعد موقفين احدهما للنائب وليد جنبلاط والآخر للنائب الحريري فحواهما ان فوز المعارضة بالاكثرية سيحمل قوى 14 آذار على عدم المشاركة محافظة على الاصول الدستورية في الحكم. وهذه النقطة وردت ايضا في البيان او البرنامج الانتخابي لقوى 14 آذار الذي اعلن في "البيال" السبت الماضي، بمعنى عدم القبول ان تأخذ هذه القوى بمبدأ الثلث المعطل في الحكومة لا لها او لخصومها في حال فازت هي بالاكثرية النيابية مجددا. الا ان ذلك يبرز في المقابل كشرط ضروري وملزم في حسابات قوى 8 آذار في حال لم تفز بالغالبية على ما يفهم من كلام الرئيس السوري تحديدا، وهي تصر حكما على حكومة وفاق وطني لمعرفتها صعوبة لا بل استحالة ان تحكم وحدها في حال فوزها.
وكلام الرئيس الاسد من دون التفاصيل الصغيرة التي يدركها، او يتحسسها اللبنانيون اكثر من سواهم من اي موقف رسمي سوري، يوافق عليه بعض الدول الغربية المهتمة بلبنان من منطلق ان حكومة وفاق وطني من كل الطوائف لا بد منها للتمكن من ادارة البلاد ولا ترى هذه الدول الامر سلبيا قياسا على السلبية التي تتعامل بها القيادة السورية مع لبنان عادة او بقدر السلبية التي قاربت حد التهديد الضمني في ما يتعلق بموقف الاسد من المحكمة كما ورد في الحديث الصحافي نفسه. فحكومة الوفاق الوطني امر واقعي لولا ان موضوع "الثلث المعطل" يجمد ليس تطوير آلية ممارسة الحكم فحسب، بل ممارسته في حد ذاتها. فليست النقطة او المشكلة هي حكومة الوفاق الوطني بل "الثلث المعطل" باعتبار ان حصول اي فريق سياسي عليه سيجعله هو الحاكم وليس الاكثرية، بدليل التعطيل الذي واجهته قوى 14 آذار قبل الحكومة الحالية في الشارع اولا، على رغم كل الدعوات التي وجهت اليها لممارسة المعارضة في مؤسسات الدولة ثم في الحكومة بعد اتفاق الدوحة الذي اتى في اعقاب اجتياح "حزب الله" المسلح لبيروت وبعض الجبل. بعض القريبين من "تيار المستقبل" لا يرون في ظل وجود "الثلث المعطل" احتمال ان يرأس النائب الحريري الحكومة المقبلة في حين يستمر بري في تأكيد العكس.
وفي ظل التجاذب الضمني والعلني القائم حول هذه النقاط، من دون ان تأخذ الصدارة على رغم انها جزء لا يتجزأ من الحملات الانتخابية التي بدأت لدى الطرفين الرئيسيين، يعتقد بعضهم ان "تفاوضا" غير مباشر يحصل او سيحصل حول المرحلة التالية للانتخابات، علما انها ليست النقطة الوحيدة التي تشهد اخذا ورداً حولها، وهي تثير تناقضا بين قوى في 14 آذار ايضا وليس بينها وبين قوى 8 آذار فحسب.