سؤال لم يطرح بعد: أين هي الطبقة العاملة، الشريحة الأوسع في المجتمع، والأكثر تضررا من المماحكة السياسية المقززة، التي كرسها “الحزب الحاكم”، بعدما حوّل العملية السياسية ، فعليا، لعبة سياسية، تماما كما يفهم الفتية أي لعبة يتقنونها، ثم يتعاندون، إذ يخرج واحد منهم على “القواعد” المتعارف عليها ضمنا، وإجماعا، ويقرر المناكفة والمناكدة، حتى يفرط عقدهم، أو يفرض مزاجه. والفارق أن أطفال اللعبة السياسية اللبنانية المعاندين يغطون بمزاجهم المنحول استراتيجية ليسوا أكثر من أداة لتنفيذها.
6 أشهر بلا حكومة، وقبل ذلك سنتان بحكومة عوراء، لهدف واحد: جر كل لبنان إلى ما لا إجماع عليه حتى لدى جمهور الحزب المعاند، فيما يتناثر الإخلال بالأمن، على مدى البلد، حتى في عرين الحاكمين بالسلاح، وضدهم، بينما هم يجزّون بمنشار أوهامهم غصن الوطن الذي وحده يظللهم يوم يقررون أن الفيء مستحيل خارج إجماع أهله.
واللعبة المفضوحة تكلف اللبنانيين ما لم يعرفوه أيام حروبهم العبثية، بطالة، وتدهورا اقتصاديا وتجاريا، وتنامي عصابات الخطف، و”التبني الوطني العام” لظاهرة قطع الطرق، لـ”فش الخلق” الفردي أو العشائري أو العائلي.
كل ذلك ، والطبقة العاملة تدفع الثمن من لقمة عيشها، وأحيانا كثيرة من ارواحها، كما العشرات الذين ابتلعهم المحيط بين أندونيسيا وأوستراليا، وتبارى رؤوس الدولة في النحيب لمصيرهم، والأولى بهم أن يخرجوا البلاد من ربقة السلاح الذي كان مقاوما، وأن يحسموا خيارهم للبنان، بين أن يكون الصومال، أو شانغهاي.
سكوت الطبقة العاملة عن حقها في الاستقرار السياسي، الحاضن لكل نمو اقتصادي، وتاليا، فرص العمل، لا يفضح عجزها، بل ارتهان قياداتها لانتماءاتها السياسية، وفراغ هيكلياتها النقابية ، وغياب بنيتها الجدية. فمن يقودها اليوم، هو نفسه الذي قاد أسلافها منذ عقود، وهو يكاد يكون أرضع الدينوصورات قبل انقراضها، ولا يخجل، وقد جنى الأموال من “حرصه” على مصالحها، من أن يستمر في موقع القائد غير الملهم إلا بما يفيد مصالحه، وبما يلبي ارتهانه السياسي. صحيح أن لا عمل نقابيا من دون نهج سياسي، لكنه نقابي أولا، أي يعمل لحماية مصالح الطبقة العاملة، ويقدمها على خدمة التوجهات السياسية، كما في كل الدول المتقدمة، من ألمانيا إلى تونس، والأخيرة تعرف أهمية الحركة العمالية منذ استقلالها، وهي عاندت بورقيبة، ثم زين العابدين بن علي، وتفرض اليوم على حركة النهضة الحاكمة خطة للاستقالة، لملاقاة المعارضة العلمانية، وتشكيل حكومة جديدة، قد تسرع الانتقال الديموقراطي المتعثر في مهد انتفاضات الربيع العربي.
هل يتقدم الارتهان السياسي الحزبي على المصالح الطبقية إلى حد التضحية بها والصمت على دماء أبنائها؟
فقط في لبنان. وما يزيد في الحسرة أن طبقة المثقفين ليست أسعد حالا.