#adsense

لماذا لا يعتمد لبنان نموذج عُمان؟

حجم الخط

 

نجحت سلطنة عُمان حيث فشل لبنان. والفشل مردّه الى اللبنانيين أنفسهم الذين يبدّون كلّ شيء على حساب وطنهم. فكلّ المحاولات منذ معادلة «لا شرق ولا غرب» لم تصمد في مواجهة الرياح الخارجية، وعدم الصمود مردّه الى الداخل لا الخارج، لانّ الرياح لن تتوقّف، وخلاص لبنان في الحياد وحده.

في الحديث مع المسؤولين العُمانيين هناك فصل تام، وحتى غير مرئي، بين أحاسيسهم وتطلّعاتهم ورغباتهم الشخصية، وبين مصلحة الدولة العليا التي لا يعلو عليها شيء، ويستحيل إيجاد فوارق ولو ضئيلة بالنسبة الى السياسة الخارجية، الأمر الذي يعبّر عن قناعة راسخة الى حدود الإيمان بجدوى هذه السياسية التي حمت السلطنة ووفّرت لها الإستقرار ومكّنتها من الإنصراف الى البناء الداخلي والتطوير والتحديث لكلّ المؤسسات والقطاعات العامة والخاصة.

والأسباب الموجبة التي دفعت عُمان لاعتماد سياسة الحياد تتمثل بالآتي:

أولاً، الواقع الجغرافي للسلطنة، حيث انّ حدودها البرية والبحرية المفتوحة مع السعودية، واليمن، والإمارات، وإيران، تفرض عليها إقامة علاقات متوازنة مع الجميع، وترسيخ قاعدة تعامل مبنيّة على الصداقة والاحترام المتبادَل، تجنّباً لتوترات حدودية وأطماع سياسية، الأمر الذي مكّنها من ترسيم حدودها بالكامل، فيما لبنان لم ينجح في ترسيم حدوده مع سوريا نتيجةَ رفض الأنظمة السورية المتعاقبة الاعتراف بنهائية الكيان اللبناني، وحتى اتفاق الطائف لم يأتِ على ذكر الترسيم الذي تمّ بتّه في هيئة الحوار الوطني في العام ٢٠٠٦ تحت عنوان التحديد ولم يصَر الى ترجمته على أرض الواقع.

ثانياً، الواقع الديموغرافي والمالي والعسكري الذي لا يسمح لها بلعب دور يفوق إمكاناتها وقدراتها وحجمها، فضلاً عن أنها أساساً ليست في هذا الوارد، الأمر الذي دفعها الى تركيز اهتمامها وجهدها على الشأن الداخلي حصراً.

ثالثاً، الواقع المأزوم لمنطقة الشرق الأوسط، إن لجهة الصراع العربي-الإسرائيلي، او الصراعات العربية- الإقليمية، او التناقضات العربية-العربية، هذا الواقع الذي دفع السلطنة الى الابتعاد عن سياسة المحاور التي لا بدّ من أن يهدّد التوغل فيها الإستقرار الداخلي، او بالحدّ الأدنى يجعل الدولة والشعب في حال من الإستنفار حيال القضايا والأزمات الخارجية، فيما هما أحوج ما يكون الى الانكباب على الملفات الداخلية في سياق عمل تراكمي أسفر مع الوقت الى اكتمال البناء المؤسساتي من نظام المجلسين الى الحكومة والتجربة البلدية الحديثة ودور المرأة الطليعي في الشأن العام.

فالتحييد في عُمان هو أكثر من موقف وينمّ عن ثقافة وقناعة بعيداً عن السياسات الموسمية والمصلحيّة الآنيّة، بمعنى أنه يتمّ اللجوء الى الحياد عندما تقضي المصلحة ذلك في مواجهة أخطار معينة، وعندما يشكّل التمحور مكسباً يتمّ التخلي عن هذه السياسة، إنما على العكس تماماً يتحوّل الحياد الى نهج ثابت وراسخ في السياسة الخارجية العُمانية.

وهذا الثبات فرض نفسه على كلّ دول العالم وتحديداً الجوار بدفعها الى تفهّم هذه السياسة التي رفضت مقاطعة مصر بعد اتفاق كامب-ديفيد، او مقاطعة الرئيس صدّام حسين إبان الحصار الدولي والعربي عليه، او مقاطعة الرئيس السوري بشار الأسد اليوم على رغم موقف رأس الحربة لمجلس التعاون ضدّه…

ولا يرى المسؤولون العُمانيون ايّ تناقض بين عدم إغلاق السفارة في سوريا وعضويتهم الكاملة في مجلس التعاون، إنّما تشكل هذه السياسة التوفيقية تعبيراً عن تفهّم وتفاهم مشترك مع الجميع بإبعاد السلطنة عن سياسة المحاور.

ولدى وصف هذه السياسة بالإنسحابية واللّاموقف يأتي الرد سريعاً: “أيّهما افضل سياسة رأس الحربة في الخارج والفوضى في الداخل، أم الحياد الخارجي مقابل الاستقرار الداخلي؟ وعلى كلّ دولة اتباع السياسة التي تتناسب وتتوافق مع واقعها وقدراتها ومصالحها الذاتية أولاً، واستبعاد كلّ ما يمكن ان يُفرض عليها من سياسات تنعكس بالدرجة الأولى على استقرارها. فأولويتنا عُمان، عُمان أولاً، وهذه الأولوية لها أسس وموجبات يقتضي احترامها والالتزام بها، فضلاً عن انّ المنطق الصراعي لا ينتهي، ونحن غير مستعدين لتعريض شعبنا وأرضنا ودولتها للإهتزاز عند كلّ منعطف ومحطة”.

وفي معرض الإستفسار عن الدور الذي لعبه السلطان قابوس بن سعيد لدى زيارته لطهران، خصوصاً انّ ما أعقب الزيارة أفضى إلى فتح قنوات التواصل على مصراعيها بين الأميركيّين والإيرانيّين وعلى أعلى المستويات، ما يؤشر الى الدور المحوَري لقابوس على هذا المستوى، “يرفض” المسؤولون العُمانيون إعطاءَ ايّ تفصيل او معلومة حول هذه الزيارة وأبعادها تاركين لمخيلة السياسيين والصحافيين تقدير وتحليل ما يرونه مناسباً، مؤكدين انّ “السلطنة لا تحبّ تسليط الضوء على ما تقوم به من أدوار ترتكز على إيمانها بالتواصل والحوار”.

وفي الوقت الذي كان يُفترض بعُمان أن تحذو حذو لبنان الذي كان اوّل من دعا لسياسة الحياد إعتباراً من ميثاق العام ١٩٤٣، فإذا بلبنان يُسقط هذه السياسة جزئياً مع ثورة العام ٥٨ وكلياً مع اتفاق القاهرة وصولاً الى هذه اللحظة، والمسؤولية ليست على الفلسطينيين ومن ثم السوريين وأخيراً الإيرانيين، إنما على اللبنانيين الذين استقووا بالخارج على الداخل، وبدّوا الخارج على الداخل، ومكّنوا هذا الخارج من استخدام لبنان ساحة نفوذ لسياساته ومصالحه، وتحويل البلد الصغير الى رأس حربة المشاريع الكبرى التي برهنت الأحداث انّ لا طاقة له على تحمّلها… فهل مَن يتعظ ويُعيد جدولة أولوياته؟ بالتأكيد كلا، والرهان فقط على صمود اللبنانيين وصبرهم، فضلاً عن التطورات الخارجية التي يُؤمل أن ترسم حدود النفوذ الإيراني عند حدود بلاد الأرز.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل